أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

والرابعة : أن لا يلزم من العمل به في جميعها مخالفة عمليّه ولا مخالفة الإجماع ، ولكن يرتّب الأثر على الأصل في بعض الأطراف دون الباقي ، كما في إدّعاء الموكّل التوكيل في شراء العبد وادّعاء الوكيل بالتوكيل في شراء الجارية.

ومجمل القول أنّ العلم الإجمالي لا يوجب خروج أطرافه عن موضوع الأصل ، وذلك لوجود الشكّ الفعلي في جميع الأطراف بأشخاصها.

لا يقال : نعم ، ولكن مقتضى الذيل وهو قوله عليه‌السلام : ولكن انقضه بيقين آخر ، وجوب النقض في أحد الأطراف وهو مناقض مع حرمة النقض في جميع الأطراف بأشخاصها التي هي مقتضى الصدر تناقض الموجبة الجزئيّة مع السالبة الكليّة ، فيكون دليل الاستصحاب في موارد العلم الإجمالي بانتقاض الحالة السابقة ساقطا عن درجة الاعتبار ، لمكان هذا التناقض.

لأنّا نقول : لا يمكن أن يكون الأمر بالنقض في العلم التفصيلي تعبديّا مولويّا ؛ لأنّ مرجعه إلى الأمر بالعمل بقطعك ، فلا بدّ أن يكون الأمر بالنسبة إليه إرشاديّا ، ولكن يمكن أن يكون تعبديّا مولويّا في الاجمالي بالنسبة إلى الموافقة القطعيّة ، وحينئذ فحمل مادّة اليقين على الأعمّ من التفصيلي والإجمالي مستلزم لإرادة التعبّديّة والإرشاديّة معا في الهيئة ، وتقييد اليقين بكلّ من التفصيلي والإجمالي خلاف الظاهر الأوّلي.

فإن قلت : نعم ولكنّ المقدّم مع ذلك هو الحمل على الإجمالي لحفظ ظهور الهيئة في المولويّة والتعبديّة معه بخلاف التفصيلي.

قلت : بل الأمر بالعكس ؛ لأنّ حمل اليقين على التفصيلي والهيئة على الإرشاد أسهل من حمل اليقين على الإجمالي والهيئة على ظاهرها من التعبديّة ، وعلى هذا فليس في البين قضيّة تعبديّة اعمل فيها جهة الشارعيّة والمولوية ، سوى قوله : لا تنقض اليقين بالشكّ ، من دون انضمامه بقوله : ولكن انقضه بيقين آخر ، وحينئذ فكون كلّ واحد من أطراف العلم الإجمالي مندرجا في موضوع دليل الأصل واضح.

فإن قلت : سلّمنا ذلك ، ولكنّ العمل ب «لا تنقض» في كلّ واحد من أطراف العلم الإجمالي تمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة ، وذلك لأنّ العلم متعلّق بالواقع وهو محتمل الانطباق على كلّ واحد من الأطراف ، وعلى كلّ منها كان منطبقا لا يكون

٤٢١

هو موردا للشك ؛ لامتناع اجتماع اليقين والشكّ في شيء واحد.

قلت : لو كان العلم التقديري موجبا لكون المورد شبهة مصداقيّة لكان هذا جاريا في جميع موارد الاستصحاب ؛ إذ لا مورد منها إلّا ويتحقّق فيه العلم على تقدير ، وإنّما يكون من هذا القبيل ما إذا علم تفصيلا بخلاف الحالة السابقة في أحد الأطراف معيّنا ، فاريد استصحاب الحالة السابقة في الجامع بينه وبين سائر الموارد ، وأمّا حديث اجتماع اليقين والشكّ في شيء واحد فالممتنع منه الاجتماع في شيء واحد بجهة واحدة ، والموجود في المقام اجتماعهما فيه من جهتين ؛ لأنّ الواقع بوجهه مورد للعلم ، وبشخصه مورد للشكّ ، ولو لا ذلك للزم أن لا يكون للإنسان شكّ في ما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإنائين وطهارة الآخرة ، مع أنّ وجود الشكّ بديهيّ وهو الشكّ في التعيين ، وعلى هذا فلا محيص من القول بأنّ الشكّ في كلّ من الأطراف موجود ولا يضرّ العلم الموجود معه في مشموليّته لدليل الأصل.

وحينئذ فمجمل الكلام في الصورة الاولى أنّه حيث إنّ التكاليف ليس بينها وبين المكلّف سوى شرائط التنجيز التي يكون أمرها بيد العقل ، والعلم الإجمالي أيضا في نظر العقل كالعلم التفصيلي في التنجيز والعليّة التّامة لحرمة المخالفة القطعيّة فلا يمكن إجراء الأصل في جميع الأطراف ؛ لأنّه مستلزم للقبيح العقلي وهو ترخيص المولى عبده في الظلم على مولاه الذي هو أشدّ أفراد الظلم.

نعم على قول من يجعل للحكم مراتب يمكن إجراء الأصل في جميع الأطراف ، والكلام فيه هو الكلام في الشبهة البدويّة حرفا بحرف ، وبعد عدم إمكان الإجراء في جميع الأطراف فالإجراء في الواحد المعيّن أيضا غير ممكن ؛ لاستحالة الترجيح بلا مرجّح ، وأمّا في الواحد المخيّر فيمكن إثباته بأحد الوجوه الثلاثة بعد أنّ إجراء الأصل فيه غير مستلزم للترخيص في القبيح ؛ فإنّ الترخيص في المخالفة الاحتماليّة ليس ترخيصا في القبيح ؛ فإنّ قبح المخالفة الاحتماليّة للعلم الإجمالي معلّق على عدم الترخيص ، بخلاف المخالفة القطعيّة.(١)

__________________

(١) إلى هنا تمّ ما كتبه قدس‌سره في مبحث لا ضرر والاستصحاب في هذه الدورة وما كتب ـ

٤٢٢

[التعادل والترجيح]

البحث في تعارض الدليلين :

والمراد به تنافي مدلولي الدليلين بحيث لا يمكن اجتماعهما في عالم الثبوت ، وبذلك انقدح أنّه لا تعارض بين الدليل الحاكي عن الواقع والدليل الدالّ على حكم الشكّ ؛ إذ مفاد الدليل الثاني أنّ الحكم في حال الشكّ في ذلك الحكم كذا ، فهو غير مطارد للحكم المشكوك ، بل مسالم معه.

وبعبارة اخرى : مفاده أنّ الحكم الواقعي كان مطابقا أو مخالفا ، فالحكم كذا ، فهو حاك عن إمكان اجتماعهما في عالم الثبوت.

فالشأن حينئذ فهم أنّه كيف يجتمعان ، فالقائل باختلاف المراتب للحكم يذهب الى مذهبه ، والقائل باختلاف الرتبة يختار مختاره ، وليس هذا علاجا لتعارضهما ، هذا حال أدلّة الواقع وأدلّة الشكّ.

وأمّا نفس أدلّة الشكّ بعضها مع بعض فالأمارات والطرق مع الاصول ينقدح التعارض بين الثانية وأدلّة حجيّة الاولى ؛ لأنّ كلّا منهما مجعول للشاكّ في الواقع الأوّلي ، وقد فرغنا عن رفع التعارض بأحد الوجهين من الورود أو الحكومة في ما تقدّم ، فلا نطيل بالاعادة.

وأمّا العام والخاص المطلقان فلهما حالات ، الاولى : أن يكونا قطعيّ السند ، الثانية: أن يكونا ظنيّة ، الثالثة : أن يكون سند العام قطعيّا والخاص ظنيّا ، والرابعة : العكس ، وعلى أيّ حال إمّا يكون الخاص قطعيّا من حيث الدلالة وجهة الصدور ، أو يكون ظنيّا من كليهما أو من إحداهما.

لا إشكال في ما إذا كان الخاص قطعيّا من جميع الجهات الثلاث صدورا وجهة و

__________________

ـ فيهما فى الدورة الأخرى قد جعلناه بعد بحث التعادل والترجيح فراجع واغتنم.

٤٢٣

دلالة ؛ إذ المفروض حصول العلم الذي هو غاية حجيّة الظهور ، من غير فرق بين كون العام قطعيّ الصدور أم ظنيّة.

واختلف العلماء في ما إذا كان العام مقطوع الصدور والخاص ظنيّة ، مع كونه مقطوع الدلالة والجهة ، ومن مصاديقه تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ، ومنشأ الإشكال دوران الأمر بين رفع اليد عن أصالة العموم في عموم مثل «أوفوا بالعقود» ورفع اليد عن أصالة العموم في دليل اعتبار سند الخاص مثل قوله : خذ بقول الثقة ، فإنّ كلّا منهما بلازم المؤدّى ينافي الآخر ويطارده ؛ فإنّ المفروض قيام قول ثقة على عدم وجوب الوفاء بعقد فلاني.

فمقتضى العموم الأوّل هو الوجوب ، وحيث لا يحتمل دلالة الخاص ولا جهته احتمالا آخر ، لا محيص عن التصرّف في سنده والقول بأنّه غير صادر ليلزم تخصيص العموم الثاني ، ومقتضى العموم الثاني هو القول بأنّه صادر ، وحيث لا يحتمل في دلالته وجهته أمرا آخر ، لا محيص عن رفع اليد عن عموم «أوفوا» في خصوص هذا العقد ليلزم التخصيص فيه ، وعند الدوران بين التخصيصين لا مرجّح لأحدهما على الآخر.

لا يقال المتعيّن تخصيص العموم الأوّل ، وذلك لأنّ دليل حجيّة السند مقدّم طبعا على دليل حجيّة الظهور تقدّم ذات الدالّ على الدلالة ، ولا تعارض بين السندين في رتبتهما ، وإنّما ينقدح التعارض في مرتبة الدلالتين ، وقد فرض في هذه المرتبة الفراغ من حيث السند ، ونحن لو كنّا قاطعين بالسند لتعيّن عندنا رفع اليد عن عموم العام بالخاصّ ، لكونه قطعيّا من سائر الجهات بالفرض ، فكذلك الحال بعد فراغنا عن السند بالتعبّد في الرتبة السابقة السليم عن المزاحم.

لأنّا نقول : أوّلا سلّمنا التقدّم الطبعي ، لكن لا نسلّم مثمريّته ؛ لأنّا إذا عثرنا في الرتبة المتأخّرة على مخالفة القاعدة يسري الشكّ والترديد في الرتبة السابقة ، ولا يوجب السبق الرتبي محفوظيّته عن طرفيّة الترديد كما يشاهد ذلك في الأمثلة العرفية للمقام.

٤٢٤

وثانيا : اللازم من هذا هو القول في المتباينين الذين لا حيرة في معناهما لو قطعنا عن صدورهما بأن كان كلّ منهما في جهة نصّا وفي اخرى ظاهرا ، مثل «ثمن العذرة سحت» و «لا بأس بثمن العذرة» حيث إنّ الأوّل نصّ في عذرة غير المأكول وظاهر في المأكول ، والثاني بالعكس ، فاللازم الاكتفاء بهذا وعدم عدّهما من المتعارضين الذين نرجع في علاجهما إلى أخبار العلاج ، مع أنّهم لا يلتزمون به ، وثالثا : لا نسلّم التقدّم الرتبي ؛ إذا المسلّم تقدّم سند كلّ على دلالة نفسه ، وأمّا على دلالة صاحبه فممنوع ، فيقع التعارض بين سند الخاص وظهور العام.

لا يقال : إمّا أن نقول بأنّ المعتمد في باب الظواهر أصالة عدم القرينة أو أنّه أصالة الظهور ، والأوّل أصل عقلائي ، والمراد به أنّ الطبع الأوّلي للفظ وإن كان هو الاستعمال في معناه وإرادة معناه منه ، ولكن تغيّر عن هذا الطبع وصار لكثرة استعماله مع القرينة في غير معناه بلا كشف ، نعم تحقّق الكاشف له بوصف التجرّد ، فموضوع الكاشف هو اللفظ المجرّد ، وعند الشكّ في حصول هذا الوصف وعدمه يبنون على تحقّقه وعدم القرينة ، والثاني أمارة عقلائية والمراد به واضح.

وحينئذ نقول : لو أخذنا بسند الخاص يتحقّق لنا لفظ ناصّ على خلاف مدلول «أوفوا بالعقود» مثلا بعمومه ، ولو أخذنا بعموم «أوفوا» لم يتحقّق لنا لفظ دال على خلاف «خذ بقول الثقة» نعم لازم الأخذ به رفع اليد عن قول ثقة خاص وهو غير الدلالة اللفظيّة في قباله ، ومعنى حجيّة عموم دليل السند أنّ احتمال عدم كون هذا القول قول الإمام مطروح ، وهذا الاحتمال هو الذي حكم عليه في جانب «أوفوا» بأنّه يجب العمل بعمومه ؛ فإنّ مفاد الأصل العقلائي في «أوفوا» أنّه يجب العمل على هذا العموم ما دمت محتملا لوجود القرينة على خلافه وعدمه ، فإذا حكم بمقتضى الأوّل يطرح احتمال عدم القرينة فمعناه رفع اليد عن هذا الحكم المرتّب عليه فيتحقّق الحكومة.

هذا بناء على الأوّل ، وأمّا بناء على الثاني فأصالة الظهور حجّة مقيّدة بعدم القرينة على خلافها ، فوجود القرينة رافع لموضوع حجيّتها ، فيتحقّق الورود.

٤٢٥

لأنّا نقول : إنّا لا نتعقّل الحكومة في اللبيّات ، كما لا نتعقّل التخصيص ؛ فإنّ بناء العقلاء إن كان على رفع اليد عن حكم الشكّ بالأعمّ من العلم والعلمي فهذا معنى ورود كلّ من العلم والعملي على الأصل ، وإن لم يكن بنائهم إلّا على العمل بالأصل ما لم يعلم خلافه فهذا معنى إلغاء العلمي في قبال الأصل ، وليس بين الأمرين واسطة ، فلا معنى للحكومة ، نعم للورود معنى محصّل في كلّ من الأصل والأمارة ، بمعنى أن يكون عقد موضوع الحجيّة فيهما بحسب الشأن والاقتضاء مقيّدا بعدم وجود القرينة المعتبرة على الخلاف ، ولكنّه خلاف الواقع الذي نجده من أنفسنا ، فإنّا وإن كنّا لا نجد من أنفسنا موردا يقدّم فيه الخاص على العام إذا كان الخاص قطعيّ الدلالة ، ولكنّا لا نجد من أنفسنا أنّ هذا من باب قصور العام في الحجيّة الذاتيّة ، بل من جهة تقديم ما هو الأقوى.

فتحصّل أنّ هنا طريقين لإخراج العامّ والخاص عن المتعارضين ، أحدهما : تقدّم السند رتبة على الدلالة ، ضرورة أنّ التعبّد بالظاهر إنّما يكون بعد الفراغ عن نسبة أصل اللفظ إلى المتكلّم ، المحلّ لابتلاء الإنسان من المولى ونحوه ؛ إذ لا معنى للتعبّد بظاهر كلام غير صادر من متكلّم أو متكلّم غير محلّ ابتلاء الإنسان ، وحينئذ نقول في رتبة التعبّد باسناد اللفظين لا معارضة ؛ لعدم التعبّد بالظاهر في هذه الرتبة.

إن قلت : فكيف يصحّ التعبّد بالسند مع عدمه بالظاهر؟

قلت : يكفي في صحّته ملاحظة ترتّبه كالعلّة الغائيّة ، وبعد التعبّد بالسند يحصل التعارض بين التعبّد بظاهر العام ونصّ الخاص ، ولا معارضة بين التعبّد والقطع ، وقد عرفت الإشكال في هذا الطريق.

ثانيهما : إنّا نقول بعرضيّة سند الخاص ودلالة العام ، وإنّما المسلّم طوليّة سند كلّ على دلالته ، لكن نقول : الأخذ بالسند لا محذور فيه ؛ فإنّ التعبّد بظاهر العامّ إذا انتقض بواسطة لفظ ناصّ الدلالة بالدلالة المطابقيّة أو الالتزاميّة بالمعنى الأخصّ فهو غير خارج عن الطريقة المرسومة المألوفة عند أبناء المحاورة ، والحاصل : الأخذ بالسند موجب لوجود لفظ في قبال العموم ، وهذا غير محذور.

٤٢٦

وأمّا الأخذ بالظاهر فلا يلزم منه لفظ مخصّص للسند ، وإنّما اللازم منه بالالتزام العقلي بالمعنى الأعمّ طرح السند ، وهذا خارج عن ديدن المحاورة ، وبالجملة ، كما صار من المرسوم صرف ظهور لفظ بنصب قرينة لفظيّة متّصلا بالكلام ، كذلك من المرسوم أيضا إتيان العام ثمّ إتيان الخاص في قباله في مجلس منفصل إذا كان المتكلّم بصدد تقنين القانون وعدم الاقتصار على ذكر تمام مراداته في مجلس واحد ، فإنّ القرائن المنفصلة في كلام هذا المتكلّم يصير كالمتّصلة في كلام غيره.

وهل هذا لأجل عدم استقرار الظهور أو موضوع الحجيّة إلّا بعد ملاحظة تمام المجالس كما هو الحال في المتّصل في كلام غيره ، أو لأجل تقديم الأقوى حجيّة على الحجّة الذاتيّة؟ الظاهر الثاني ، ولازم الأوّل عدم صيرورة العامّ حجّة إلّا بعد الفحص وعدم الظفر على المخصّص ؛ لأنّ أصالة عدم التخصيص لا تجري إلّا بعده ، ثمّ لو فحص وعثر على مجمل يسري الإجمال إلى العام ؛ لعدم أصل يحرز عدم قرينيّة الموجود ، كما لو اتّصل بالكلام ما يصلح للقرينيّة.

بل وكذا الحال لو عثر على مبيّن بحسب المعنى مجهول الحال بحسب السند ؛ فإنّه بمنزلة كلام موجود في الرواية مردّدا بين كونه من الإمام أو الراوي ؛ فإنّ الأصل العقلائي هنا غير جار ، وكذا لو علم الحكم المخالف للعام في موضوع مردّد بين مصداقيّته حتى يكون تخصيصا ، وعدمه حتّى يكون تخصّصا ، لا يمكن الحكم بالثاني واستكشاف حال الفرد ؛ إذ كلّ من التخصيص والتخصّص على هذا خال عن المحذور ؛ فإنّ رفع اليد عن العموم بالمخصّص القطعي ليس فيه محذور أصلا بناء على هذا.

وأمّا بناء على الثاني فالعام في ذاته حجّة قد ألقاه المتكلّم ليعمل بعمومه وليكون قانونا وقاعدة مطردة ، والفحص حينئذ لأجل أنّ المخصّص على فرض وجوده واقعا حجّة ، فالملزم هو احتمال الحجّة لا تتميم حجيّة العام ، ولا يوجب العثور على المجمل بحسب الدلالة أو بحسب السند إجمالا ، فإنّ الحجّة إنّما يرفع عنها اليد بالحجّة ، والمجمل ليس بحجّة ، ويكون تقديم التخصّص على التخصيص على

٤٢٧

حسب القاعدة ، وحيث إنّ اللوازم المترتّبة على الأوّل خلاف الواقع فالمتعيّن هو الوجه الثاني، فيفرق بين القرائن المتّصلة والمنفصلة ، فالأولى متمّمة ، والثانية من باب تقديم الحجّة على الحجّة.

ثمّ هذا الطريق الثاني هو المعوّل في تقديم الخاصّ على العام والمخرج لهما عن موضوع التعارض ، ولولاه لزم الأخذ فيهما بأخبار العلاج ، كما هو مختار بعض ، وهذا الطريق بعينه جار في المطلق والمقيّد المنفصلين أيضا بلا تفاوت ، هذا تمام الكلام في الخاص والعام والمطلق والمقيّد.

وأمّا المتباينان فهما على أقسام أربعة ، الأوّل : أن يكونا نصّين في تمام المدلول ، والثاني : أن يكونا ظاهرين كذلك ، والثالث : أن يكون كلّ منهما نصّا في بعض المدلول وظاهرا في بعضه ، وكانت النصوصيّة مستندة إلى القدر المتيقّن في مقام التخاطب ، والرابع : هذا الفرض وكانت النصوصيّة مستندة إلى القدر المتيقّن بحسب الخارج.

وقبل الخوض في أحكام الأقسام لا بدّ من تقديم مطلب وهو أنّ ما تعارف من الجمع بين «افعل» و «لا بأس بالترك» وبين افعل كذا وافعل كذا بطرح ظاهر كلّ من الهيئتين بنصّ الاخرى ليس من باب تقديم النصّ على الظاهر حتّى يقال بمثله في المادّة أيضا ، ويجعل ذلك مؤيّدا وشاهدا للجمع في القسمين الأخيرين من المتباينين أيضا بتقديم نصّ كلّ على ظاهر الآخر.

توضيح الحال أنّ من الشائع المتعارف إطلاق هيئة افعل بلا نصب قرينة صارفة عن الوجوب في موارد الندب امّا لأجل أن لا يتركه المخاطب أو لغير ذلك ، وكذلك استعمال هذه الهيئة بلا نصب قرينة على التخيير في موارده إمّا لأجل أنّه أفضل الأفراد ، أو لرعاية الأنسب بحال المخاطب أو لغير ذلك.

والحاصل قد تعارف عدم نصب القرينة في البابين ، ونحن وإن كنّا عند عدم العثور على القرينة الصارفة نحملهما على الوجوب والتعيين لا لمقدّمات الإطلاق ، ولهذا لا نتوقّف في مقام لا شكّ في كون المتكلّم بمقام البيان أو الإهمال ، بل لأجل الانصراف اللغوي وإن كان سرّه أخفيّة المئونة كما تقدّم في بابه ، ولكن عند العثور

٤٢٨

على القرينة الصارفة لا يحتاج الحمل على الندب والتخيير إلى كثير مئونة وزيادة كلفة وعناية ، حتّى لو دار الأمر بين هذا التصرّف في الهيئة والتقييد في المادّة كنّا نرجّح التصرّف في الهيئة لأقليّة مئونته ، حتى قال صاحب المعالم في الباب الأوّل بأنّه صار من المجاز المشهور المساوي احتماله مع احتمال الحقيقة.

فتبيّن أنّ الوجه في التقديم هو هذا التعارف ، لا ما يتخيّل من أنّه تقديم النصّ على الظاهر ، حيث إنّ «افعل» ناصّ في مطلق الرجحان وظاهر في المنع عن الترك و «لا بأس» ناصّ في عدم المنع وظاهر في تساوي الطرفين ، فيرفع ظاهر كلّ بنصّ الآخر ، وهكذا لو قال مثلا : «لو ظاهرت فاعتق رقبة» وقال أيضا : «لو ظاهرت فصم ثلاثين يوما» وعلمنا من الخارج بوحدة التكليف ، فحينئذ كلّ من الهيئتين ناصّ في الصلاحيّة للإجزاء وظاهر في نفي الصلاحيّة عن الغير ، فيرفع ظاهرهما بنصّهما.

إذا عرفت ذلك فنقول : أمّا القسم الأوّل والثاني فلا شبهة في كونهما داخلين في موضوع التعارض ، إنّما الكلام في القسمين الأخيرين.

وربّما يقال بناء على ما مرّ من حديث تقديم السند على الدلالة بالتفصيل بين هذين القسمين بالجمع في الأوّل منهما بتقديم نصّ كلّ على ظاهر الآخر والرجوع إلى المرجّحات السنديّة في الثاني منهما ، ببيان أنّه إذا كان القدر المتيقّن غير مستند إلى الخصوصيّات المحفوفة بالكلام كما في قوله عليه‌السلام : «ثمن العذرة سحت» وقوله عليه‌السلام : «ولا بأس ببيع العذرة» فإنّا عند القطع بصدور هذين عن الحكيم لا نتحيّر في حمل الأوّل على غير المأكول والثاني على المأكول صونا لكلام الحكيم عن التناقض ، والعلم الخارجي بأولويّة غير المأكول بالحرمة من المأكول.

ولكن عند عدم القطع لا نقول بجريان دليل التعبّد في كليهما ثمّ رفع التحيّر بمثل ذلك؛ فإنّه أمر مستنكر بعيد عن المحاورة ونلتزم في صورة القطع بأنّه اقتضت مصلحة لصدور الكلام بهذه الصورة من المتكلّم ، وأمّا عند عدم القطع فليس دليل التعبّد بهذه المثابة ، بل يسري التعارض إليهما.

وهذا بخلاف ما إذا كان القدر المتيقّن متّخذا من قرائن المقام ، فإنّ الحمل حينئذ

٤٢٩

لا يخرج الكلام عن طريقة المحاورة ، ويعترض بذلك على شيخنا المرتضى قدس‌سره حيث لم يفرق بين القسمين بالإرجاع إلى المرجّحات السنديّة.

قال شيخنا الاستاد دام أيّام إفاداته الشريفة : الحقّ مع شيخنا المرتضى قدس‌سره حيث أدرج القسمين في المتعارضين ؛ لأنّ المعيار الذي يخرج به الكلامان المتنافيان عن المتعارضين كونهما بحيث لا يكون جمعهما في الكلام خارجا عن طريقة المحاورة ، ونحن متى راجعنا أنفسنا لم نسمع ولا نسمع متكلّما قطّ تكلّم ب «أكرم العلماء» و «لا تكرم العلماء» مثلا في مقام إرادة إكرام صنف وترك إكرام صنف آخر منهم بدون نصب قرينة صارفة عن العموم دالّة على الخصوص.

فالمحذور الذي يلزم من أخذ السندين في هذا القسم ليس إلّا قريبا أو مماثلا للمحذور اللازم منه في القسم الآخر ، ونحن وإن بنينا على صحّة تقديم رتبة السند على الدلالة بقول مطلق لا يفيد في هذا المقام ؛ إذ وجود المحذور في الرتبة المتأخّرة يمنع عن الأخذ بالسند في الرتبة المتقدّمة ، فإنّ المستلزم للمحذور أيضا كالمحذور.

وهذا نظير ما إذا علمنا بطهارة الخشبة التي يغسل عليها الميّت بماء الغسل ، فإنّه إمّا يكون الماء غير متنجّس بملاقاة بدن الميّت فيلزم التخصيص في دليل «كلّ نجس منجّس» وإمّا يكون الماء متنجّسا ولا تكون الخشبة متنجّسة بملاقاة الماء ليلزم التخصيص في دليل كلّ متنجّس منجّس حيث إنّ صرف تقدّم الدليل الأوّل على الثاني رتبة لا يعيّن ورود التخصيص على الأخير ، بل يحصل الإجمال ، هذا.

مع أنّه لا وجه للفرق بين القسمين بعد اشتراكهما في كونهما على خلاف القاعدة ، فإن كان التقدّم الرتبي موجبا للأخذ بالسند في أحدهما فلا بدّ منه في الآخر أيضا ، فلا وجه للتفصيل ، إلّا أن يقال باختلاف مراتب خلاف القاعدة ، فإنّ أحدهما داخل في المحاورة ولو بنحو بعيد منها ، والآخر خارج عنها رأسا ، والحاكم فيه العقل فقط ، هذا ولكنّ الحقّ ما عرفت ، وقد عرفت أنّ الوجه هو التعارض بين السندين.

وأمّا ما ذكره شيخنا المرتضى قدس‌سره من أنّ الوجه تعارض ظهور أحدهما المتيقّن الاعتبار مع سند الآخر الغير المتيقّن الاعتبار فلم نعلم له معنى محصّلا ؛ فإنّه

٤٣٠

إن كان المراد تيقّن اعتبار أحدهما على سبيل الإبهام بواسطة دليل اعتبار مطلق الخبر ، فمضافا إلى أنّه لا معنى لحجيّة الأحد المبهم في ما لا يترتّب عليه نفي الثالث ـ كما لو قام الخبران على طرفي النقيضين كالوجوب وعدمه ، حيث إنّ عدم خروج الأمر منهما قطعيّ لا يحتاج إلى التعبّد ، بل لا يقبله ـ لا معنى لمعارضته مع سند الآخر ؛ فإنّ دليل الاعتبار إنّما يدلّ على اعتبار المعيّنات ، فإنّما يتمحّض دلالته على المبهم إذا تساقط المعيّنان بالتعارض ، فيكون حدوث الأحد المبهم بعد سقوط الآخر المعارض بواسطة التعارض.

وكذا إن كان المراد تيقّن اعتبار كلّ على فرض ترك الأخذ بالآخر ؛ فإنّه أيضا لا معنى لمعارضته بالآخر ؛ لأنّ الفرض أنّ هذا صار علاجا عرفيّا للتعارض وجمعا مدلوليّا ، كما أنّه لو كان المراد تيقّن الاعتبار الجائي من قبل دليل التخيير عند فقد المرجّح والترجيح عند وجوده ، فمن الواضح أيضا عدم المعارضة ، لكون الحكم بصدد علاجه بهذا النحو ، وبالجملة ، فهو قدس‌سره أعلم بما أفاد.

وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنّه ما لم يكن بين المدلولين جمع مرضيّ عند العرف فرفع اليد عن أحد المدلولين أو عن كليهما بالآخر ليس جمعا ، بل طرحا للسند ، وحينئذ فحيث لا يمكن الأخذ بكلا المدلولين فلا محيص عن طرح أحد السندين ، فيقع بينهما التعارض.

فلا بدّ من التكلّم في مسألة تعارض الخبرين ، والكلام فيها يقع في مقامين :

المقام الأوّل : في ما إذا كان الخبران متكافئين لا يكون لأحدهما مزيّة على الآخر.

والثاني : في ما إذا كان أحدهما ذا مزيّة على الآخر.

أمّا الكلام في المقام الأوّل فيقع في موضعين ، أحدهما في ما تقضيه القاعدة مع قطع النظر عن الأخبار الواردة في الباب ، والثاني في ما يقتضيه الأخبار.

أمّا الكلام في الخبرين المتكافئين على حسب ما يقتضيه القاعدة فمحصّله أنّ حجيّة الخبر إمّا أن تكون من باب الطريقيّة ، وإمّا من باب السببيّة ، فإن قلنا بالأوّل فمقتضى القاعدة التوقّف في ما يختصّ به كلّ من الخبرين من المفاد والأخذ بما

٤٣١

يشتركان فيه ، فلو قام أحدهما على وجوب الظهر والآخر على وجوب الجمعة فمقتضى القاعدة التوقف في ما يختص به كل من الخبرين من المفاد الأخذ بما يشتركان فلو قام أحدهما على وجوب الظهر والآخر على وجوب الجمعة فمقتضى القاعدة التوقّف في المدلول المختصّ بخصوص كلّ خبر ، والأخذ بثبوت أحد المدلولين واقعا ، وفائدته نفي الثالث ، فلو كان ثبوت الثالث مقتضى استصحاب يصير محكوما ، ولو كان مفاد دليل يصير معارضا.

فهنا دعويان : الاولى : لزوم التوقّف في المدلول المختصّ.

والثانية : لزوم الحكم بأحد المدلولين اللازم منه نفي الثالث.

والدليل على الاولى أنّه قد استقرّ بناء العقلاء في طرقهم المعمولة عندهم على التوقّف في صورة تعارض فردين من الطريق في أمر ، فيترددون ولا يحكمون بأنّ الإنسان في هذا الحال ذا طريق تخييري بمعنى أنّه يتخيّر في تعيين الحجّة بالبناء القلبي والالتزام النفساني على الأخذ بما شاء من الطريقين ، بل يحكمون بأنّ هذا الالتزام التزام بغير طريق ومن باب المجازفة ، فيكون هذا البناء بضميمة عدم الردع الشرعي حجّة شرعيّة في الطرق الشرعيّة.

ومن هنا تبيّن أنّه لا فائدة في إطلاق أدلّة الحجيّة لصورة التعارض ، فلا يفيد الإطلاق على فرض ثبوته ردعا لهذه الطريقة ؛ لاحتياج الردع إلى التنصيص ، فالإطلاق إنّما يحتاج إليه على فرض الإغماض عن هذه السيرة.

وحينئذ نقول : إن قلنا بثبوت الإطلاق للأدلّة يثبت هنا حجّة تخييريّة ، يعني كلّ على تقدير الأخذ به وترك الأخذ بصاحبه حجّة ، ولا يلزم منه استعمال اللفظ الواحد في معنيين؛ لأنّ الاختلاف إنّما هو في اللب دون الاستعمال ، كما هو واضح.

وأمّا إن قلنا بعدم الإطلاق لصورة التعارض لا بمعنى أخذ عدم التعارض في موضوع الحجيّة ليخرجا عن تعارض الحجتين ، بل بمعنى عدم لحاظ حال التعارض لا إطلاقا ولا تقييدا كما هو الظاهر ـ حيث إنّ الظاهر أنّ الدليل إنّما هو إمضاء الطريقيّة العرفيّة في الأخذ بقول الثقة ، وقد عرفت أنّ بنائهم على التوقّف في مورد التعارض ـ فحينئذ قد يقال: إنّ غاية الأمر قصور الهيئة عن شمول حال

٤٣٢

التعارض وعدم إمكان الجمع ، وقد تقرّر في محلّه ثبوت الإطلاق للمادّة بالنسبة إلى مورد فقد أحد الشروط المعتبرة عقلا في الهيئة التي منها إمكان الجمع ، كما هو الحال في إنقاذ الغريقين الغير المقدور إلّا احدهما ، فيكون الحاكم بالتخيير هو العقل ، وهذا بعينه موجود في المقام ، وحيث إنّه لا معنى للتخيير في الحجيّة التي هي المسألة الاصوليّة إلّا جواز الأخذ بأيّهما شاء ، كان العقل أيضا حاكما بهذا المعنى.

قلت : فرق بين الجعل الظاهري في الاصول وبينه في الطرق ، فالأوّل يمكن شموله لجميع أطراف العلم الإجمالي ، ولا يضرّه العلم بالخلاف حسب الواقع ؛ لأنّ تمام الموضوع فيه هو الشكّ وهو موجود في كلّ طرف ، وهذا بخلاف الطريق ؛ فإنّ معناه أنّه لم يلحظ فيه سوى الإيصال إلى الواقع من دون رعاية مصلحة في سلوك نفسه أصلا ، وهذا المعنى مقطوع الخلاف في كلا الطرفين ، بمعنى أنّه يعلم أنّ كلا الطريقين المتعارضين ليس فيهما ملاك الحجيّة ، بل الملاك مختصّ بأحدهما ، فليس هاهنا مقام التزاحم.

نعم يبقى هنا ملاك واحد ، ونسبته إلى كلّ من الطريقين الذين أحدهما مقتضاه على فرض الحجيّة تنجيز الواقع والآخر إسقاطه على حدّ سواء ، فتطبيقه على كلّ ترجيح بلا مرجّح ، فيسقط كلاهما عن التأثير.

والدليل على الثانية أنّ موضوع الحجيّة في الطرق هو الكشف الحاصل منها ولو بألف واسطة غير شرعيّة ، وليس مفاد دليل الحجيّة لزوم الأخذ بالمفاد المطابقي حتى يلزم الاقتصار عليه ، وحينئذ فلو سقط المدلول المطابقي عن الحجيّة إمّا لخروجه عن وظيفة الشارع ، وإمّا لأجل مانع ـ كما في المقام ـ فالكشف الحاصل منه بالنسبة إلى المدلول الالتزامي بنفسه فرد من موضوع الحجيّة غير منوط حجيّته بحجيّة المدلول المطابقي ، فتخصيص دليل الحجيّة بالنسبة إليه يكون بلا وجه.

ومن هنا ظهر أنّ نفي الثالث لا يحتاج القول به إلى القول بحجيّة الأحد المبهم ، بل يستقيم مع عدم القول به أيضا ؛ لما عرفت من أنّه مقتضى حجيّة المعيّنين في المدلول الالتزامي يعني بالأعمّ ممّا بعد في الدلالة اللفظيّة وغيره ، هذا ما يقتضيه القاعدة بناء على القول بالطريقيّة.

٤٣٣

وأمّا على تقدير اعتبار الأخبار من باب السببيّة فالمصرّح به في كلام شيخنا المرتضى والمحقّق الخراساني قدس‌سرهما أنّ المقام حينئذ من قبيل التزاحم ، وحكم العقل فيه التخيير ؛ لعدم الأهميّة في أحدهما ، ومقصودهما التخيير في الأخذ والالتزام ؛ لأنّ هذا معنى التخيير في الحجيّة التي هي المسألة الاصوليّة ، وهذا بإطلاقه محلّ نظر ، وتوضيح الحال يحتاج إلى ذكر الأقسام المتصوّرة في القول بالسببيّة.

فنقول وعلى الله التوكّل :

تارة يقال لدفع محذور تحليل الحرام وتحريم الحلال الذي أورده ابن قبة على التعبّد بالخبر بأنّ الحكم الواقعي يدور مدار قيام الحجّة ، وهذا المعنى غير معقول ، يعنى لا يمكن حصول العلم أو الظنّ بأمر يعلم الإنسان بتوقّف ثبوت ذلك الأمر على علمه أو ظنّه.

واخرى يقال بأنّ الخطاب الواقعي لا يتوقّف على حصول العلم والحجيّة فعلا ، بل يتعلّق بمن يعلم الله أنّه يصير ذا علم وذا حجّة ، وهذا معقول ولكنّه مجمع على بطلانه ، لقيام الضرورة والإجماع على أنّ لله تعالى في كلّ واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل ومن قام عنده الحجّة وغيره.

وثالثة يقال بأنّ لله حكما واقعيا يشترك فيه كلّ الناس ، ولكن هذا الحكم يصير شأنيا في حقّ من يقوم الحجّة على خلافه ، فيكون قيام الحجّة على الخلاف موجبا لحدوث مصلحة في المؤدّي غالبة على ملاك الحكم الواقعي ، وأمّا الحجّة الموافقة فلا تأثير فيها أصلا ، نعم يكون مانعا عن المانع أعني الظنّ بالخلاف ، فتكون الحجيّة في الموافقة من باب الطريقيّة ، وفي المخالفة من باب السببيّة ، ولا مانع من جمعهما في خطاب واحد.

مثاله أنّه لو أمر المولى عبده بإنقاذ أبنائه ، فلم يلتفت العبد أو لم يعرف الأبناء فرأى المولى جماعة غريقين كلّهم أبيض القلنسوة بعضهم بنوه وبعضهم مطلوب الإنقاذ من أجل بياض القلنسوة ، فله أن يجمع الكل تحت خطاب واحد ويقول لعبده : أنقذ هؤلاء الابيض القلنسوة.

٤٣٤

ورابعة يقال بأنّ لله تعالى أيضا حكما واقعيّا يشترك فيه العالم والجاهل ولا يتغيّر هذا الحكم بقيام الخبر على وفاقه أو خلافه ، ولكن في التديّن القلبى على طبق مضمون الخبر مصلحة يتدارك بها المصلحة الفائتة ، أو المفسدة الواقعة فيها من ناحية الواقع.

فإن قيل بالوجه الثالث فتارة يفرض الخبران في مورد واحد واخرى في موردين ، وعلى كلّ حال تارة يكونان مثبتين واخرى يكون أحدهما مثبتا وو الآخر نافيا.

فإن كانا في مورد واحد وكانا مثبتين مثل أن يكون أحدهما دالّا على وجوب الجمعة والآخر على حرمتها ، فإن كان أحدهما مطابقا للواقع فالآخر المخالف يحدث له مصلحة في المؤدّى تغلب على مصلحة الواقع ، فيصير الفعل مردّدا بين الوجوب والحرمة ، والمرجع فيه التخيير بحكم العقل ، وليس هذا من باب التزاحم بشيء.

وإن كانا مخالفين للواقع بحسب الواقع فاللازم لغويّة كليهما ؛ لأن كلّا من الخبرين يقتضي إحداث المصلحة الملزمة في أحد طرفي النقيض على خلاف ما يقتضيه الخبر الآخر فاللازم سقوط كليهما عن الأثر وصيرورة كلا طرفي الفعل والترك جائزا ، وليس هذا أيضا من التخيير في المسألة الاصوليّة الذي يحكم به العقل من باب التزاحم بين الحجّتين.

وإن كانا في مورد واحد وكان أحدهما مثبتا والآخر نافيا مثل أن يدلّ أحدهما على حرمة الجمعة والآخر على إباحتها فإن كان بحسب الواقع أحدهما مطابقا فالآخر المخالف هو المؤثّر ، وحيث إنّه مشتبه يتردّد أمر الفعل بين الإباحة والحرمة ، ومقتضى العقل فيه البراءة ، وعلى تقدير كونهما حسب الواقع مخالفين يلزم لغويّة كليهما ، فيبقى الفعل والترك كلاهما جائزين.

وإن كانا في موردين كأن يدلّ أحدهما على وجوب الظهر والآخر على وجوب الجمعة مع العلم بأنّ الواجب واقعا أحدهما فكلّ من الخبرين بالمدلول الالتزامي يدلّ على نفي مفاد الآخر فيرجع التعارض إلى المورد الواحد ، فمقتضى أحدهما

٤٣٥

وجوب الظهر ومقتضى الآخر عدم وجوبه ، وهكذا الجمعة.

فإن كان أحدهما مطابقا فالمخالف هو المؤثّر ، فيتردّد أمر كلّ من الفعلين بين الوجوب وعدمه ، وحيث إنّ أحدهما واجب يجب الاحتياط ، وإن كانا مخالفين يرجع أمر كلّ من الفعلين إلى الإباحة بعد تساقط مقتضى الإلزام ومقتضى عدم الإلزام.

فقد تحقّق أنّه لا ينجرّ الأمر في شيء من الصور إلى التزاحم في الحجّتين المقتضي لتخيير العقلي بين الالتزامين كما هو ظاهرهما قدس‌سرهما.

وإن قيل بالوجه الرابع فإن قيل بعموم المصلحة حتّى في التديّن القلبي على طبق مضمون الخبر المطابق فعند التعارض يتعيّن العمل بمؤدّى المحتمل المطابقة ملتزما به لو كان ، وإلّا فالتخيير بين كليهما ملتزما به ، فحينئذ يتمّ ما ذكراه قدس‌سرهما ، وكذا إن قيل باختصاص المصلحة بخصوص الخبر المخالف ، حيث إنّ الدليل ليس إلّا العقل دفعا لمحذور تحليل الحرام وتحريم الحلال الذي أورده ابن قبة على التعبّد بالخبر ، وهو يندفع بمجرّد ذلك.

ولهذا قال شيخنا المرتضى قدس‌سره لو أتى بالصلاة مثلا بلا سورة على طبق أحد الخبرين ثمّ انكشف في الوقت وجوبها وجبت الإعادة ؛ إذ لا تفويت هنا حتّى يجب بحكم العقل تداركه ، وعلى هذا فلا بدّ في المخالف أيضا من التفكيك بين التديّن بالمدلول المطابقي والالتزامي ، فما لا محيص عنه في حكم العقل هو الأوّل ، فلا وجه للقول به في الثاني ، وعلى هذا فإن كان الخبران واقعا كلاهما مخالفين ففي التديّن بكلّ مصلحة ملزمة ، وحيث لا يمكن الجمع تعيّن التخيير ، وإن كان أحدهما مطابقا كان التخيير بين ذات العمل في المطابق والتديّن في المخالف ، وحيث اشتبها تعيّن اختيار أحدهما ملتزما به على أنّ الخبر صادر صادق على تقدير المخالفة.

هذا تمام الكلام في مقتضى الأصل مع قطع النظر عن الأخبار الواردة في المقام.

وأمّا بالنظر إليها فهل يحكم بالتخيير أو التوقّف أو الأخذ بما يوافق الاحتياط؟ قد اختلفت الأخبار في ذلك ، فيظهر من بعض منها التخيير وأنّه «بأيّ من الخبرين أخذت من باب التسليم وسعك»

٤٣٦

ويظهر من بعض آخر أنّه يجب إرجاء الواقعة وتأخير الأمر إلى لقاء المعصوم عليه‌السلام والتوقّف عن العمل بشيء من الخبرين.

ويظهر من واحد منها وهي مرفوعة زرارة أنّه : لو كان أحد الخبرين موافقا للاحتياط تعيّن هو للأخذ ، وإلّا فالتخيير.

والعمدة ملاحظة الحال بين الطائفتين الاوليين ، وأمّا الأخيرة فعلى فرض تسليم السند فالأمر فيها سهل ؛ إذ الظاهر ذكر ذلك فيها في عداد المرجّحات ، ونحن إذا أقمنا شواهد على كون جميع المرجّحات المذكورة في أخبار الترجيح محمولة على الاستحباب كان الأمر في هذا أيضا سهلا.

فالعمدة ملاحظة الاوليين ، وقد استراح شيخنا المرتضى قدس‌سره بحمل الطائفة الآمرة بالتوقّف على زمان التمكّن من لقاء المعصوم عليه‌السلام بقرينة جعل الحكم فيها مغيّا بذلك بخلاف الثانية الدالّة على التخيير ، حيث إنّها إمّا غير مغيّا أو مغيّا بلقاء القائم عجّل الله فرجه ، فيظهر منها التفصيل بين زماني الحضور والغيبة بالتوقّف في الأوّل والتخيير في الثاني.

وقال شيخنا الاستاد دام بقاه : إنّ الظاهر أنّ الآمرة بالتوقّف ناظرة إلى مقام التمييز والرجوع إلى الاستحسانات العقليّة في فهم الصادر من الخبرين عن غير الصادر ، أو تعيين المراد منهما على وجه يرفع التنافي من البين بالظنون الاستحسانيّة الغير الراجعة إلى الظاهر اللفظي والمفهوم المتعارف العرفي ، كما هو دأب الناس وديدنهم عند ورود الخبرين المتنافيين عليهم.

وأمّا الأخذ بأحدهما في مقام العمل ابتداء بدون إعمال رأي واستعمال نظر في مرحلة تشخيص السند أو الدلالة ، بل على نحو الجزاف وعلى طبق المشيّة والإرادة فليس أمرا شائعا ، بل قد عرفت أنّ الشائع المتداول عندهم هو التوقّف وعدم الاختيار بالإرادة وكون ذلك عندهم أخذا بالجزاف.

أمّا أخبار التوقّف فهي ناظرة إلى دستور مقام العمل ، حيث إنّ المكلّف يحتاج في هذا الحال عملا إلى دستور يرجع إليه في عمله ، فجعلوه له الأخذ بأيّهما شاء من

٤٣٧

باب التسليم للأئمّة والانقياد لهم عليهم‌السلام ، فالأخبار الاول تسدّ باب الاجتهاد واستعمال الرأي ، والثانية تعيّن الوظيفة العمليّة.

فإن قلت : هذا لا يتأتّى في المقبولة ، حيث إنّ المفروض فيها الاحتياج إلى العمل ؛ لفرض وقوع المنازعة في الدين أو الميراث ، وكذلك ما في بعض أخبار التوقّف من قولهعليه‌السلام : «لا يعمل بواحد منهما» حيث إنّه صريح الناظريّة إلى مقام العمل.

قلت : أمّا المقبولة فحيث إنّ السائل في مقام رفع الخصومة والمنازعة ، وهو لا يتحقّق بالتخيير ؛ إذ المنازعة بعد بحالها ، فإنّ كلّا يختار ما يناسب مقصوده فتبقى المنازعة بحالها ، فلا محيص عن الترجيح ، فبعد فقد المرجّحات المنصوصة لا ثالث لأمرين ، أحدهما : التوقّف وإرجاء الواقعة إلى زمان تبيّن الحال وكشف الالتباس ، والثاني : استعمال الظنون والاستحسانات وتشخيص الصادر عن غيره وجعله ميزانا لرفع الخصومة ، وهو المحذور الذي أشار إليه بقوله عليه‌السلام : فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ، فسمّاه اقتحاما في الهلكة.

وأمّا الخبر الآخر فيجري فيه البيان المذكور أيضا بعد ما عرفت من كون المتداول ليس هو العمل الجزافي بأحدهما ، بل العمل بعد استعمال رأى ونظر في رفع التنافي ، فينصرف بهذه القرينة إلى الثاني ، فلا ينافي ما أثبته أخبار التخيير من العمل بأيّهما من غير سابقة إعمال الرأي ، بل من باب التسليم والانقياد.

وأمّا الخبر الطولاني المرويّ في العيون عن مولانا الرضا سلام الله عليه حيث يتوهم أنّ له لسان حكومة على أخبار التخيير حيث ذكر فيه أنّه : إذا كان أحد الخبرين مشتملا على النهي الكراهي والآخر على الرخصة في ارتكاب المنهي فهذان هما اللذان بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك الاختيار ، فيعلم منه اختصاص أخبار التخيير بباب المكروهات والمستحبّات.

والجواب أنّ المراد من الحديثين المختلفين المعنون بهما في صدر الخبر ما يشمل الاختلاف البدوي الحاصل بين مثل العامّ والخاص أيضا بقرينة ذكر هذا الفرد في الذيل ، حيث إنّ «لا تفعل» و «لا بأس بالفعل» يكون بينهما جمع عرفي ، وإذن

٤٣٨

فالمقصود من الخبر تعداد موارد رفع الحيرة إمّا من ناحية السند بأخذ المرجّحات المنصوصة ، وذكر منها موافقة الكتاب وموافقة السنّة ، وإمّا من ناحية الدلالة ، وذكر منها هذا الفرد الذي يكون بينهما جمع مقبول عرفي ، فما خرج عن الصورتين ما لم يكن في البين مرجّح منصوص ولا جمع مقبول عرفي وامر فيه بالتوقّف والكفّ والتثبّت يعني عن التعرّض لرفع التنافي إمّا سندا وإمّا دلالة بالآراء والظنون والاستحسانات والقرينة مضافة إلى ما مرّ في الأخبار الأخر من عدم شيوع العمل الجزاء في قوله عليه‌السلام في هذا الخبر عند أمره بالتوقّف : «ولا تقولوا بآرائكم» ، وبالجملة لا أرى في الأخبار ما يأبى عن هذا الحمل.

ثمّ على فرض تنزيل أخبار التوقّف على مقام العمل فهل المراد منه ما يستلزم الاحتياط في العمل أو يلائم مع البراءة العمليّة؟. صرّح شيخنا المرتضى قدس‌سره بالاوّل.

وفيه نظر ؛ فإنّ متعلّق التوقّف على هذا امور : القول بالرأي ، والأخذ بأحد الخبرين تعيينا ، والأخذ به تخييرا ، وهذه الامور كلّا كما يمكن التوقّف فيها مع الاحتياط في مقام العمل ، يمكن أيضا مع البراءة العمليّة ، كما هو واضح.

فإن قلت : حذف المتعلّق يفيد العموم ، فيدخل تحت الأمر بالتوقّف التوقّف في مقام العمل عن الإقدام على الشبهة.

قلت : إطلاق التوقّف الذي هو مقابل الحركة سمت الفعل إنّما يصحّ في خصوص الشبهة التحريميّة لا مطلق الشبهة الأعمّ منها ومن الوجوبيّة.

وهاهنا امور ينبغي التنبيه عليها.

الأوّل : بناء على التخيير ، فلا إشكال أنّه وظيفة القاضي في ما إذا تعارض الخبران في ميزان فصل الخصومة وهذا واضح.

وأمّا في الفروع العمليّة التي يشترك العمل بين العامي والمجتهد وإنّما نصيب المجتهد فيها الإفتاء فهل اللازم هو تخيير المجتهد في مقام الإفتاء فيفتي بمضمون ما اختار وهو حكم تعييني، فيختص التخيير بالمجتهد في عمله وفي إفتائه ، أو أنّ اللازم على المجتهد إدراج المقلّد في موضوع من جاءه الخبران المتعارضان بعرض الخبرين

٤٣٩

عليه ثمّ إفتاؤه بالتخيير في الأخذ بأيّ الخبرين شاءه المقلّد ، أو أنّ المجتهد يجوز له اختيار أيّ الطريقين شاء؟ الظاهر هو الوجه الأخير.

لا يقال : بل المتعيّن هو الإفتاء بالتخيير ؛ لأنّ المقلّد موضوع قبل الاستحضار التفصيلي ؛ لأنّ المقصود من المجيء هو المجيء على نحو المتعارف كما في الأخبار الغير المتعارضة ، فالتكليف الواقعي في حقّه كمجتهده هو التخيير في الأخذ ، فالفتوى بالتعيين في المسألة الفرعيّة حكم بغير ما أنزل الله.

لأنّا نقول : ليس الموضوع نفس المجيء كما في الممثّل به ، بل هو التعارض ، وحاله حال اليقين والشكّ في الاستصحاب ، فكما لا يكتفى بوجودهما للمجتهد في حقّ المقلّد ، بل لا بدّ من تحقّقهما له فعلا ، فكذلك الحال في التعارض ، وإذن فالمجتهد لكونه موضوعا يندرج تحت الخطاب ، وإذا عمل بهذا التكليف التخييري وأخذ بأحد الخبرين كان له الإفتاء بمضمونه وهو أنّه حكم الله تعيينا في حقّ جميع الناس.

فإن قلت : بعد إرجاع هذا الخطاب إلى العمل كخطاب «صدّق» حيث إنّه التصديق العملي لا الجناني فحال هذا التخيير حال التخيير في خصال الكفّارة وشبهها من المسائل الفرعيّة ، غاية الأمر ضميمة الالتزام والتديّن في المقام أيضا في الطرفين ، فكما أنّه ليس للمجتهد الإفتاء إلّا بالتخيير في مسألة الخصال ، فكذا في المقام.

قلت : نعم ، ولكنّ الفرق أنّ نفس الفتوى أيضا عمل ، فيقع تحت التخيير ، وكما أنّ عمل الجوارحي يتعلّق بالمتعيّن أبدا ، كذلك الفتوى أيضا إذا وقع تحت التخيير فهو يتعلّق لا محالة كالعمل بالمتعيّن ، وأمّا مسألة الخصال فالتخيير فيها إنّما هو في المفتى به ومتعلّق الفتوى.

وبالجملة ، كما أنّ المجتهد مخيّر في المقام بين العمل بهذا أو ذاك ، كذلك مخيّر بين الفتوى بهذا أو ذاك ، هذا على تقدير عدم إدراجه للمقلّد في الموضوع ، وله أيضا ذلك بعرض الخبرين عليه ثمّ إفتائه بالتخيير في المسألة الاصوليّة ، هذا.

الثاني : بناء على التخيير هل هو ابتدائي بمعنى أنّه لو ابتلى بتلك الواقعة في وقت

٤٤٠