أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

وممّا ذكر يعرف حقيقة الحال في المرفوعة أيضا من حيث الإرجاع إلى ما اشتهر بين أصحابك ، فإنّه يجري فيها جميع ما ذكر في المقبولة حرفا بحرف ، نعم هي خالية عن التعليل والاستشهاد ، لكن ظهور مادّة الاشتهار بحاله ، ويجري في قول السائل فيها أيضا بعد ذلك : أنّهما معا مشهوران مأثوران عنكم ما ذكر في المقبولة.

فيبقى الكلام في المرفوعة من حيث الإرجاع بعد ذلك إلى الصفات ، فبذلك يخالف المقبولة وسائر الأخبار ، ومحصّل القول فيه أيضا أنّه حيث فرض السائل استواء الخبرين من حيث الجهة المذكورة في كلام الإمام عليه‌السلام ، وهو لا يتحقّق إلّا باستواء عدد المخبرين بأن روى مثلا هذا الخبر عشرون رجلا ، وروى ذلك عشرون آخرون ، ولكن لم يفرض كالسائل في المقبولة كون المخبرين ثقات أرجعه الإمام عليه‌السلام إلى صفات الراوي والأخذ بما كان راويه ثقة.

ف «أفعل» في كلامه عليه‌السلام نظير «أفعل» في قولك : الإسلام خير وأحسن لك من الكفر ، وبالجملة ، استعمال «أفعل» في مقام اريد به اتّصاف أحد الشيئين بوصف وخلوّ الآخر عنه رأسا شائع ، وهذا وإن كان في مقابل التفضيل الحقيقي خلاف الظاهر ، ولكن ملاحظة كلام السائل حيث فرض اتّصاف الراويين بأصل العدالة والثقة يشهد بأنّ المراد في كلام الإمام عليه‌السلام أيضا ذلك ، وإلّا فإن كان مراده عليه‌السلام اختلاف المرتبة بعد الاشتراك في أصل الصفة لناسب التعبير بالمساواة في الرتبة والفضيلة كما عبّر كذلك في المقبولة.

وبالجملة ، بعد التعبير بما في المرفوعة عن الاستواء في المرتبة مع شيوع استعمال «أفعل» في المقامات التي اريد إثبات أصل الصفة كما يقال : الله تعالى أصدق قولا وأوثق وعدا من الشيطان وغير ذلك يعيّن الحمل على ما ذكرنا ، فيكون المراد في هذه الفقرة أيضا هو الإرشاد إلى ما هو الحجّة والردع عمّا ليس بحجّة ذاتا ، يعني انظر في حال هؤلاء الرواة لهذا ، وهؤلاء الرواة لذاك ، فإن كان إحدى الجماعتين ثقات والاخرى فسّاقا أو مجهول الحال فخذ بخبر الجماعة الاولى ، فيكون أوّل المرجّحات الخبريّة في المرفوعة مخالفة العامّة ، كما كان في المقبولة موافقة الكتاب ومخالفتهم.

٤٦١

إن قلت : كيف فهم السائل هنا من صيغة «أفعل» ما ذكرت ولم يفهمه السائل في المقبولة.

قلت : إذ في المقبولة معلوم أنّه عليه‌السلام بمقام ترجيح أحد الحكمين على الآخر ، والحاكم يعتبر فيه العدالة ، فلا يحتمل «أفعل» فيها غير معنى التفضيل ، وبالجملة ، أظنّ أنّ بما ذكرنا يرتفع التنافي بين جميع أخبار الباب ، والله الموفّق للصواب.

ومن الغريب ما وقع في الكفاية في هذا المقام حيث إنّه استشكل في الاحتجاج بالمقبولة والمرفوعة على وجوب الترجيح في مقام الفتوى بقوّة احتمال اختصاص الترجيح بمورد الحكومة لرفع المنازعة وفصل الخصومة قال كما هو موردهما ، ولا وجه معه للتّعدي منه إلى غيره كما لا يخفى ، ولا وجه لدعوى تنقيح المناط مع ملاحظة أنّ رفع الخصومة بالحكومة في صورة تعارض الحكمين وتعارض ما استندا إليه من الروايتين لا يكاد يكون إلّا بالترجيح ، ولذا أمر عليه‌السلام بإرجاء الواقعة إلى لقائه عليه‌السلام في صورة تساويهما في ما ذكر من المزايا ، بخلاف مقام الفتوى ، ومجرّد مناسبة الترجيح لمقامها أيضا لا يوجب ظهور الرواية في وجوبه مطلقا ولو في غير مورد الحكومة كما لا يخفى ، انتهى.

وأنت خبير بما فيه بعد الإحاطة بما ذكرنا ، ووجه الغرابة أنّه قدس‌سره جعل في ظاهر كلامه الذي نقلنا مورد المرفوعة أيضا مقام الحكومة لرفع الخصومة ، مع أنّك تعلم بعدم إشعار فيها بذلك ، نعم في ذيل كلامه الذي لم ننقله دلالة على اختصاص ذلك بالمقبولة.

وبالجملة ، هذا حال أدلّة الترجيح ، ثمّ لو فرض الأخذ بمرجحيّة الشهرة والصفات أيضا فلا بدّ من رفع اليد عن الترتيب بينهما بواسطة اختلاف ما بين المرفوعة والمقبولة في ذلك الكاشف عن كون كلّ واحد مرجّحا مستقلّا بدون اعتبار ترتيب في البين ، وأمّا على ما اخترنا من انعزالهما عن سمت المرجحيّة وأنّ المرجّح منحصر في موافقة الكتاب والسنّة ومخالفة العامّة ، فالحقّ فيهما الترتيب بتقديم الاولى على الثانية ؛ لظهور قوله عليه‌السلام في بعض الأخبار : فإن لم تجدوا ، وكذلك المقبولة في ذلك ، هذا.

٤٦٢

الامر الثاني بعد ما علمت وجوب الترجيح بالمزايا المنصوصة هل يقتصر في الترجيح عليها فيرجع في غيرها إلى إطلاقات التخيير ولو كان في أحد الخبرين ألف مزيّة ، أو يتعدّى إلى غيرها ، وعلى فرض التّعدي هل يقتصر إلى المزيّة الموجبة للظنّ الشخصي ، أو إلى ما يوجب الظنّ النوعي ، أو إلى مطلق المزيّة ولو لم يوجب الظنّ لا شخصا ولا نوعا ، بل كان موجبا لأبعديّة ذيها عن مخالفة الواقع بالنسبة إلى صاحبه؟.

فالكلام هنا في مقامين ،

أمّا المقام الأوّل ، فالأقوى فيه الاقتصار على المنصوصات وعدم التعدّي منها إلى غيرها ، والذي يحتجّ به للتّعدي كلّه مخدوش.

فمنه : التمسّك بالترجيح بالأصدقيّة والأوثقيّة ، فإنّ اعتبار هاتين الصفتين ليس إلّا لأجل أقربيّة الواجد لهما إلى الواقع من الفاقد ، وليس للسبب الخاصّ دخل.

وفيه أوّلا : إنّك عرفت عدم مساس ذينك بمقام الترجيح ، وعلى فرض ذلك نقول :

ما الفرق بين مقام أصل الحجيّة ومقام المرجحيّة وقد اعترفتم حيث علّق الشارع الحجيّة الابتدائيّة على خبر الثقة بعدم التّعدي من خبر الثقة إلى كلّ ما يفيد الظنّ شخصا أو نوعا ، أو يفيد أقليّة احتمال المخالفة للواقع ، مع أنّ عين ما ذكر هنا جار هناك حرفا بحرف ، والسرّ في كلا المقامين واحد وهو أنّا نسلّم عدم مدخليّة السبب الخاص وأنّ المناط أقربيّة احتمال المطابقة للواقع وغلبة الإصابة ، إلّا أنّه لم يحوّل ذلك إلى نظرنا ، والأنظار في ذلك مختلفة.

ألا ترى أنّه لو أمر مولى بأمر طريقي باتّباع قول شخص معلّلا بأنّه أمين عندي فلا يمكن التعدّي إلى قول كلّ شخص أحرز العبد أمانته ؛ إذ ربّما كان في نظر مولاه غير أمين ، والمعيار نظره لا نظر العبد.

ومثل هذا بعينه مقامنا ؛ فإنّه إذا جعل الشارع قول كلّي الثقة حجّة أو الأوثقيّة مرجّحة ، فهذا يدلّ على أنّه رأى مرتبة من غلبة الوصول إلى الواقع ، فبهذا أوجب

٤٦٣

حكمه باتّباعه ، واللازم من عدم مدخليّة السبب أنّا متى أحرزنا أنّ السبب الفلاني الآخر أيضا يوجب تلك المرتبة من الإصابة والوصول في نظره تعدّينا إليه ، كما أنّ العبد المذكور أيضا يتّبع قول كلّ من يحرزه أمينا عند مولاه ، وأمّا لو لم نحرز ذلك وإن أحرزنا البلوغ إلى تلك المرتبة في نظرنا فالتعدّي حينئذ كتعدّي ذلك العبد إلى قول من أحرزه نفسه أمينا ولم يحرز أمانته عند مولاه.

ومن ذلك يظهر الخدشة في التمسّك بتعليل الإمام عليه‌السلام الترجيح بالشهرة بقوله عليه‌السلام: فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ، فإنّه بعد ما ليس المراد نفي الريب حقيقة وإلّا لم يمكن فرضهما مشهورين لا بدّ من حمله على جهة التنزيل أعني تنزيل ما يكون الريب فيه أقلّ منزلة ممّا لا ريب فيه ، فيدلّ على قاعدة كليّة هي أنّ : كلّما كان في أحد الخبرين شيء يوجب أقليّة الريب فيه من صاحبه فهو متعيّن الأخذ.

وكذلك التمسّك بتعليل الترجيح بمخالفة القوم بأنّ الحقّ والرشد في خلافهم ، حيث إنّه أيضا ليس على حقيقته ، وإلّا لم يمكن الأخذ بموافق القوم ولو مع عدم المعارض ، فالمعنى أنّ في المخالف جهة كاشفية نوعية عن مطابقة الواقع ، فيدلّ على أنّ كلّ شيء فيه جهة الكاشفيّة المذكورة فهو صالح للمرجحيّة.

إذ فيهما أيضا مضافا إلى ما في أوّلهما ممّا عرفت من عدم المساس بباب المرجحيّة أنّا نسلّم كون العبرة بجهة الكاشفيّة والأقليّة النوعيّة من دون مدخليّة السبب الخاص ، ولكنّ المعتبر حصول ذلك في نظر الشارع لا في نظرنا ، ولعلّ ما هو كاشف بنظرنا لا يراه الشارع بذلك الحدّ من غلبة الوصول ، فلا وجه للتّعدي ، وإذن فالمرجع في موارد وجود المزيّة الغير المنصوصة هو إطلاقات التخيير على ما عرفت من ثبوتها.

وأمّا المقام الثاني : وهو أنّه لو بنينا على التعدّي عن المنصوصات فهل يعتبر الظنّ الشخصي بمعنى أنّه إذا كان أحد الخبرين المتعارضين مع أمارة يوجب الظنّ الفعلي بكونه مطابقا للواقع يؤخذ به ، وإلّا فلا وإن كان مع أحدها ما يوجب الأقربيّة نوعا ، أو أنّ المعتبر هو الظنّ النوعي وإن لم يفد الظن الشخصي ، أو أنّ

٤٦٤

المعتبر أبعديّة أحدهما عن الخلاف ، بمعنى أنّه لو فرض العلم بصدق أحدهما وكذب الآخر كان أحدهما أبعد عن الكذب وأقرب إلى الصدق ولو لم يكن مع أحدهما بقول مطلق أمارة الصدق.

لا إشكال في عدم اعتبار الظنّ الشخصي ؛ لأنّ المرجّحات المنصوصة شيء منها لا يفيده ، فيبقى الوجهان الآخران.

واستظهر شيخنا المرتضى قدس‌سره الشريف الوجه الأخير من تعليلهم عليهم‌السلام الأخذ بالخبر المخالف للجمهور بأنّ الحقّ والرشد في خلافهم ، ومن تعليلهم الأخذ بالموافق للمشهور بأنّه لا ريب فيه ، بتقريب أنّ نفي الريب بعد عدم إرادة معناه الحقيقي ـ وإلّا لم يمكن فرض الخبرين مشهورين ـ يراد به نفي الريب بالإضافة يعني أنّ في الشاذ احتمالا ليس في المشهور ، فيدلّ على أنّه كلّما كان مع أحد الخبرين مزيّة يوجب أقليّة الريب فيه بالإضافة إلى الآخر وإن كان مشكوكا وغير مظنون لا نوعا ولا شخصا فهو المقدّم.

وهكذا كون الحقّ والرشد في خلاف العامّة بعد عدم إرادة معناه الحقيقي ـ وإلّا لم يكن للأخذ بالموافق مع السلامة عن المعارض وجه ـ يراد به كون الخبر الموافق مظنّة خلاف الحقّ والصواب ، فاحتمال الكذب فيه آكد منه في الموافق.

ولكن فيه أنّ نفي الريب بعد تعذّر الحقيقة وهو نفي الشكّ حقيقة يكون الأقرب إلى معناه الحقيقي هو الظنّ ، وبعد عدم اعتبار الشخصي يتعيّن النوعي ، وأمّا أقليّة احتمال الكذب فهو رفع اليد عن أقرب المجازات إلى أقربها ، وهكذا الظاهر من قوله : الحقّ والرشد في خلافهم بعد عدم إمكان الحقيقة هو وجود الأمارة النوعيّة على الصدق والرشد فيه ، ولا شبهة في كونه أقرب إلى المعنى الحقيقي من الأبعديّة عن الكذب ، ولا غرو في كون مقابلة الخبر لمذهب العامّة أمارة نوعيّة على صدقه إذا علم مقابلة مذهبهم نوعا للواقع والمذهب الصواب ، كما يستفاد من قوله عليه‌السلام : ليسوا من الحنفيّة على شيء ؛ فإنّه من قبيل استكشاف الشيء من ضدّه ، كما يقال : يعرف الأشياء بأضدادها.

٤٦٥

وينبغي التنبيه على امور

الأوّل :

قد عرفت في ما تقدّم أنّ تقديم النصّ الظنّي السند أو الجهة على الظاهر وإن كان قطعي السند جمع مقبول عرفي لا يوجب خروج الكلام عن الطريق المرسوم في المحاورة ، وهكذا الكلام في الأظهر والظاهر ، ولازم ذلك عدم التوقّف الذي هو الأصل الأوّلي في باب التعارض في مورد النص والظاهر والأظهر والظاهر.

وهل مورد التخيير والترجيح أيضا خاص بغير ذلك أو هو عام له أيضا؟ ، وجه الأوّل أنّ مورد أخبار العلاج ما إذا تحيّر العرف ولم يقدر على جمع الكلامين على وجه لا يخرجان عن قانون المحاورة ، ووجه الثاني أنّه إن اريد بعدم التحيّر أنّه لا ينقدح في الذهن المعارضة.

وبعبارة اخرى : الخاص والأظهر يمنعان عن انعقاد الظهور في العام والظاهر كما هو الشأن في القرائن المتّصلة ، فهذا خلاف الوجدان ؛ إذ لا شكّ في انعقاد الظهور الانتقاشي وبقائه بحاله حتّى بعد رؤية المعارض الأقوى ، فالمتحقّق إنّما هو رفع اليد عن الظاهر المستقرّ ظهوره بالظاهر الأقوى ظهورا ، فالمعارضة بين المنفصلين متحقّقة غاية الأمر وجود العلاج له أيضا ، وبعد صدق مادّة التعارض فالذي يمنع عن شمول الإطلاق والعموم له وجود السيرة القطعيّة والارتكاز التفصيلي عند أرباب اللسان كما هو المتحقّق في العمل بقول الثقة وفي أصل العمل بالظواهر ، ولهذا أوجب قصور عمومات النواهي الواردة عن العمل بغير العلم.

وأمّا هنا فأصل الارتكاز سلّمناه ، ولكن كونه بتلك المثابة من الوضوح والظهور حتّى لا ينقدح في أذهان السائلين عن حكم الخبرين المتعارضين الحاجة

٤٦٦

إلى السؤال عن حاله ممنوع ، ومجرّد الارتكازية لا يوجب كونه أمرا بديهيّا عند أهل العرف ، ألا ترى أنّ كثيرا من النزاع الواقع بين العلماء يكون في الارتكازيّات العرفيّة ، سلّمنا كونه مرتكزا مشروحا مفصّلا عند السائلين ، لكن ليس بحدّ لا ينقدح في ذهنه احتمال ردع الشارع عنه وعدم إمضائه لهذه الطريقة ، فلعلّ وجه سؤاله الاطّلاع عن مساعدة الشرع للعرف وعدمها.

سلّمنا كون تقديم الخاص على العامّ وكلّ نصّ وأظهر على الظاهر من المرتكزات التي ينصرف سؤال السائلين عنها ، لكنّ المسلّم من ذلك إنّما هو ما كان قبل حضور العمل بأحدهما ، وأمّا إذا كان صدور أحدهما بعد مضيّ الزمان المتمادي عن صدور الأوّل والعمل على طبق ظهوره فليس الأمر هنا بذاك الوضوح ، بل يمكن دعوى تردّد أهل العرف حينئذ ؛ إذ يبقى الأمر بين امور كلّها بعيد.

الأوّل : كذب أحد الناقلين مع كونهما ثقتين.

والثاني : صدور الأوّل مع القرينة واختفت مع توفّر الدواعي على الضبط والنقل.

والثالث : كون الأخير نسخا للأوّل مع بعده ، بل يمكن دعوى القطع بعدم صدور النسخ بعد زمان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأن يبيّن الإمام عليه‌السلام النسخ الذي مبدؤه من زمانه.

نعم يمكن ورود النسخ في زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن لم يطّلع الناس عليه فكشف الإمام عليه‌السلام الحجاب عنه ، وأمّا الأوّل فيمكن دعوى ارتكاز جميع المسلمين على خلافه كما يدلّ عليه قوله عليه‌السلام : وهل سنّة غيّرتها ، بل ويدلّ أيضا قوله عليه‌السلام : حلال محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله الخ ، فإنّ إرادة بقاء الشريعة وعدم مجيئي النبي الناسخ لها خلاف الظاهر ، وعلى الثاني يحمل ما في بعض الأخبار من قوله عليه‌السلام : في أخبارنا ناسخ ومنسوخ.

والرابع : الحمل على الإرادة التوطئيّة المنفكّة عن الجديّة وتأخّر البيان عن

٤٦٧

زمان الحاجة لأجل مصلحة يقتضي ذلك ، فإنّه كما يقتضي المصلحة كون أصل بيان الأحكام على نحو التدريج وإبقاء الناس على مقتضى البراءة العقليّة القاضية بترك الواجب وفعل الحرام ، كذلك قد يقتضي بيان الخلاف في ضمن عموم أو إطلاق مع إخفاء المخصّص والمقيّد مع كونه موجبا لتفويت الواجب أو الايقاع في الحرام ؛ فإنّ ذلك مع اقتضاء المصلحة غير قبيح ، ويكون حاله كالكذب النافع.

وبالجملة ، ما ذكرنا يجدي في رفع الاستحالة العقليّة لا في دخول الكلام في الطريقة المألوفة عن أرباب المحاورة ، فإذا دار الأمر بين هذه الامور المستبعدة فاللازم حينئذ التوقّف مع قطع النظر عن أخبار العلاج والرجوع إلى التخيير أو الترجيح مع النظر إليها.

قلت : يمكن أن يقال كما أنّ العرف يعامل مع كلام الشخص المقنّن والمتكلّم بالامور الكليّة غير معاملته مع كلام المتكلّم في الامور الشخصيّة لاقتضاء الأوّل تشكيل مجالس وينجرّ الأمر بذلك إلى انفصال المطلق عن المقيّد والعام عن الخاص والظاهر عن الأظهر ، كذلك لو استقرّ ديدن هذا المتكلّم لحكمته على رعاية جهات المصالح والمفاسد والتكلّم في كلّ زمان على حسب اقتضاء الوقت ، ورأى منه كرارا في الكلمات المقطوعة الصدور منه انفصال العام عن خاصّة بقطعة طويلة من الزمان ، وكذا المطلق عن مقيّده وهكذا ، سواء كان المقدّم هو العام والمطلق أو الخاصّ والمقيّد بحيث كان العمل في تلك القطعة المتوسّطة على طبق الكلام الأوّل وصار المتعيّن بواسطة القطع بعدم النسخ هو الحمل على الإرادة الصوريّة مع الانفكاك عن اللبيّة المستكشفة بالمخصّص والمقيّد ، فالعرف بعد عرفان هذا الحال منه يعامل مع كلماته من هذه الجهة معاملته مع الكلمات المتّصلة من غيره ، وإذا صار هذا المعنى عرفيّا فالاحتمالات الأخر في قباله مدفوعة بالأصل ، هذا بالنسبة إلى عدم التوقّف.

وأمّا بالنسبة إلى عدم التخيير والترجيح فلأنّ المفروض انصراف الأسئلة إلى

٤٦٨

غير موارد وجود الجمع العرفي ، ولهذا استقرّ ديدن أهل الاستدلال من الصدر الأوّل إلى الحال على عدم ملاحظة التخيير والترجيح بين العام والخاصّ وأشباههما.

نعم يبقى هنا خبران قد يتخيّل شهادتهما على ملاحظة ذلك بين النصّ والظاهر ، أحدهما : ما رواه عليّ بن مهزيار وفيه الإرجاع إلى التخيير بين قوله : صلّهما في المحمل ، وبين قوله : لا تصلّهما إلّا على وجه الأرض ، مع أنّ مقتضى الجمع العرفي هو الجواز في المحمل على كراهة حملا لظاهر كلّ منهما على نصّ الآخر.

والثاني : ما في التوقيع الشريف عن الحجّة عليه‌السلام وفيه أيضا الإرجاع إلى التخيير بين قوله عليه‌السلام : «إذا انتقل من حالة إلى اخرى فعليه التكبير» وبين قوله عليه‌السلام : «إذا رفع رأسه من السجدة الثانية وكبّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير» الخ ، مع وضوح ما بينهما من العموم والخصوص المطلقين.

ولكن فيه أنّ التخيير في الأوّل يمكن كونه من قبيل التخيير المتقدّم في خبر العيون ، فيكون مؤكّدا للجمع العرفى لا منافيا له ، وأمّا الثاني فمخدوش بأنّ المحكيّ عدم العمل والفتوى بمضمونه في الفقه.

الامر الثاني :

قد عرفت تقديم الجمع الدلالي على التخيير والترجيح ، فاعلم أنّه متى علم كون أحد الدليلين أظهر فلا كلام ، ومتى اشتبه الحال فقد ذكروا لتشخيص الأظهر أمورا لا بأس بذكر بعضها.

منها : أنّه لو دار الأمر بين التقييد والتخصيص فالأوّل أولى ، وعلّل تارة بأنّ ظهور الإطلاق متقوّم بعدم البيان ، والعموم يصير بيانا ، فيرتفع موضوع الإطلاق ، واخرى بأنّ الإطلاق ظهور مستند إلى المقدّمات والعموم إلى الوضع ، والظهور الوضعى أقوى ، وفي كلا الوجهين ما لا يخفى.

٤٦٩

أمّا الأوّل فلأنّ الإطلاق لا يتوقّف انعقاده على أزيد من عدم البيان المتّصل والعموم منفصل ، وأمّا الثاني فلأنّه بعد الاعتراف بأنّ الإطلاق أيضا ظهور لفظي مستقرّ ، فلا وجه لدعوى أظهريّة العموم ، فالحقّ أن يقال : لا كليّة لشيء من الطرفين ، بل لا بدّ من ملاحظة خصوصيّات الموارد ، فربّما يصير التقييد أولى ، وربّما يصير التخصيص كذلك.

ومنها : أنّه لو دار الأمر بين التخصيص والنسخ فالنسخ أولى ، لندرته وشيوع التخصيص ، حتّى قيل ما من عام إلّا وقد خصّ ، وفيه أنّ مجرّد الندرة والشيوع إن لم يرجع إلى ظهور لفظي فغايته الظنّ الغير المستند إلى اللفظ ، ولا دليل على اتّباعه وحجيّته.

والحقّ أن يقال : دوران الأمر بينهما إن كان في الأحاديث النبويّة صلى‌الله‌عليه‌وآله مع المرويّ عن الأئمّة عليهم‌السلام مع كون الراوي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله غير الإمام فلا مرجّح لأحد الأمرين ، ولا بعد في النسخ في مثل هذا المورد ، كما ورد في بعض الأخبار من أنّه «ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يتّهمون بالكذب فيجيء منكم خلافه؟ قال عليه‌السلام : إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن ، ومرجع هذا إلى ورود النسخ في زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يطّلعه الناس فكشف الإمام عليه‌السلام في زمانه.

نعم لو قلنا بأنّه يعتبر في النسخ كون المنسوخ ظاهرا في الاستمرار والدوام حيث إنّه التخصيص في الأزمان فلا بدّ من مضيّ زمان على المنسوخ لم يستبشع إطلاق الدوام والاستمرار بالنسبة إليه ، وإلّا يتعيّن التخصيص ، وأمّا إن قلنا : لا يعتبر في النسخ ذلك فلا مرجّح لأحدهما مطلقا ، هذا في ما إذا دار بين الحديث النبوي الغير المرويّ على لسان الأئمّةعليهم‌السلام مع أحاديثهم.

وأمّا إذا دار الأمر في نفس أحاديثهم أو أحاديثهم مع ما يروونه عليهم‌السلام عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث إنّ ظاهر النقل كونه بقصد العمل دون مجرّد الحكاية ولو لم يكن المضمون حكم الله الفعلي في حقّ المخاطب ، فيمكن دعوى

٤٧٠

الاطمئنان أو القطع بترجيح التخصيص فيه على النسخ ؛ فإنّ النسخ في زمان الأئمّةعليهم‌السلام مضافا إلى أنّا لم نطّلع على فرد واحد منه يكون من المرتكز في أذهان المسلمين أيضا عدم إمكانه وأنّ حلال محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وحرامه باقيان غير قابلين للتغيير والتبديل.

وأمّا ما ورد في حقّ الحجّة صلوات الله عليه من أنّه «يأتي بكتاب جديد ودين جديد» فالمراد أنّه يأتي بكتاب جمعه مولانا الأمير صلوات الله عليه ، والمراد بالدين الجديد أنّه بواسطة كثرة اختفاء الأدلّة على الواقعيّات وكثرة العمل على طبق الاصول الظاهريّة والأحكام العذريّة صار الدين الحقّ الواقعي الذي يظهره صلوات الله عليه دينا جديدا بالنسبة إلى ما في أيدى الناس.

وأمّا ما ورد في ما إذا اتي من أوّلهم عليهم‌السلام شيء ومن آخرهم خلافه ، أو في العام شيء وفي القابل خلافه من الإرجاع إلى الأحدث ، فهو غير مربوط بالنسخ ، بل هو راجع إلى تقيّة السائل وخاصّ بزمانه ، نظير ما ورد في الوضوء في حقّ على بن يقطين ، وبالجملة ، دعوى الاطمئنان بعدم النسخ في هذه الموارد لا ريب فيها.

وإذن فيتعيّن التخصيص ، ولا بعد في كونه بعد مضيّ العمل وموجبا لتأخّر البيان عن وقت الحاجة ، لما مرّ من أنّه كما قد يقتضي المصلحة عدم البيان في مقدار من الزمان ، كذلك قد يقتضي بيان العدم بإلقاء عموم أو إطلاق يلقي الناس في خلاف الواقع ؛ فإنّ هذا مع المصلحة غير قبيح.

الامر الثالث :

تعيين الأظهر والظاهر في ما إذا كان التعارض بين اثنين لا إشكال فيه ، وأمّا إذا كان بين أزيد من اثنين فربّما يشتبه الحال من حيث ملاحظة المعارضة بين اثنين منها أوّلا ، فينقلب النسبة مع الثالث.

مثلا لو ورد : أكرم العلماء ، وعلم من الإجماع خروج الفسّاق من العلماء وورد

٤٧١

أيضا : لا تكرم النحويّين ، فملاحظة تخصيص العام بالمخصّص اللّبي أوّلا يوجب انقلاب نسبته مع اللفظي وصيرورتها عموما من وجه.

ولكن هذا فاسد ؛ فإنّ مرتبة كلا الخاصّين واحدة ، فلا وجه لملاحظة أحدهما مقدّما على الآخر ، نعم لو كان المخصّص القطعي من قبيل الارتكاز الذي يصلح للاعتماد عليه وجعله قرينة على إرادة الخصوص تمّ ما ذكر ؛ فإنّه من التقييد المتّصل ، فيوجب انقلاب النسبة ، وأمّا مع عدم ذلك فمجرّد كونه قطعيّا إجماعيّا أو عقليّا أو ارتكازيّا غير بالغ تلك المرتبة لا يوجب تقديم ملاحظته على الخاص اللفظي ، وهذا واضح.

وقال المحقّق الخراساني طاب ثراه في وجه عدم الانقلاب أنّ النسبة إنّما هي بملاحظة الظهورات ، وتخصيص العام بمخصّص منفصل ولو كان قطعيّا لا ينثلم به ظهوره وإن انثلم به حجيّته ، انتهى.

واستشكل عليه شيخنا الاستاد أدام الله أيّام إفادته الشريفة بأنّ الظهور الذي لم ينثلم في المنفصل إنّما هو الظهور الانتقاشي التصوّري والظهور التصديقي في الإرادة الاستعماليّة على ما هو الحقّ من عدم ورود التصرّف بالمنفصلات في الإرادة الاستعماليّة ، لكنّ المناط والمعيار في مقام المعارضة وملاحظة النسبة بين الدليلين ليس واحدا من هذين الظهورين ، بل المعيار ملاحظة ما يكون لكلّ من الدليلين في رتبة معارضته مع صاحبه من الحجيّة الذاتيّة في الإرادة اللبيّة.

وتظهر ثمرة هذا الاختلاف في ما إذا ورد عامّان متباينان وورد خاص موافق لأحدهما وفرض القطع بالصدور ، كما إذا ورد : ثمن العذرة سحت ، وورد أيضا : لا بأس بثمن العذرة ، وورد : لا بأس بثمن عذرة المأكول اللحم ، فعلى ما ذكره قدس‌سره لا بدّ من بقاء المعارضة بين ظهوري العامين ، مع أنّه يمكن دعوى القطع بخلافه ، وأنّ العرف حينئذ يحكم بتخصيص ثمن العذرة سحت بقوله : لا بأس بثمن عذرة المأكول ، فيصيران بمنزلة دليل واحد مفاده أنّ ثمن عذرة غير المأكول سحت ، و

٤٧٢

نسبته مع ثمن العذرة لا بأس به عموم وخصوص مطلق ، فيتعيّن التخصيص ويرتفع التعارض.

فإذا كان هذا هو الحال مع القطع بالصدور فمع عدمه أيضا يكون هو المتعيّن بناء على ما تقدّم من تقديم الجمع الدلالي على ملاحظة التخيير والترجيح ، ولا ينافي هذا مع ما تقدّم منّا في بعض المباحث المتقدّمة من خروج هذين العامّين عن طريقة المحاورة ؛ فإنّه في ما إذا لم يكن بدّ في مقام العلاج إلّا برفع اليد عن ظهور كلّ بنصوصيّة الآخر ، وأمّا إذا كان في البين خاصّ موافق لأحدهما فيرتفع ذلك الاستيحاش ؛ إذ بعد ما فرضنا أنّ المنفصلات في كلام هذا المتكلّم تكون بمنزلة المتّصلات في كلام غيره حتّى في ما إذا كان بعد حضور وقت العمل ومضيّ زمان طويل ، فيكون الحال كما إذا صدر هذه القضايا الثلاث من متكلّم في مجلس واحد متّصلة.

فإذا قال : اعتق الرقبة ، ولا تعتق الكافرة ، ولا يجب عليك عتق الرقبة ، فلا شكّ أنّه بمنزلة أن يقول : اعتق المؤمنة ، ولا يجب عليك عتق الرقبة.

وحاصل ما ذكرنا أنّه لا بدّ من ملاحظة ما بقي لكلّ من المتعارضين مع قطع النظر عن معارضه من الحجيّة في الإرادة الجديّة ، فلو نقص عن حجيّته قبل معارضة ما يكون مقدّما في الرتبة على معارضه كما في المثال فلا بدّ من ملاحظة ما بقي تحته من الإرادة بعد خروج ما أخرجه ذلك المتقدّم في الرتبة مع ما اريد من معارضه ، فإن كانت النسبة عموما مطلقا عومل معاملته وإن فرض كون النسبة بحسب المراد الاستعمالي وقبل إيراد ذلك المتقدّم الرتبي تباينا.

وأمّا وجه تقديم الرتبة في ما ذكر من المثال وأشباهه أنّ الخاص لا معارضة له مع العام الموافق ، وهو مخصّص للمخالف ، فهو ليس من أطراف تلك المعارضة ، بل هو مأخوذ على كلّ حال.

والشاهد عليه وعلى ما ذكرنا من أنّ معيار تعيين النسبة ما بقي لكلّ من الدليلين

٤٧٣

بعد ملاحظة جميع ما يرد عليه ممّا ينقص عن حجيّته مع قطع النظر عن معارضه ما ذكرناه من مساعدة العرف في المثال المتقدّم على عدم المعارضة مع القطع بالصدور ، ولو لا أحد الأمرين لكان المتعيّن هو الحكم بالتعارض.

فقد تحقّق أنّ الوجه في فساد توهّم انقلاب النسبة في الخاصّين أو الخصوصات مع العام الواحد ما ذكرنا من استواء رتبة الخصوصات ، لا ما ذكره طاب ثراه.

ثمّ ملاحظة التخصيص أيضا مخصوصة بما إذا لم يبلغ عدد الخصوصات حدّا يستبشع التخصيص في العام إلى ذلك الحدّ ، وإلّا فلا بدّ من ملاحظة التعارض بين ذلك العام ومجموع الخصوصات ، وحال النسبة بينهما حال التباين ، فلا بدّ من ملاحظة التخيير أو الترجيح بينهما حينئذ ، فإن لم يكن لأحد الطرفين مرجّح فإمّا أن يطرح العام فيؤخذ حينئذ بجميع الخصوصات ، وإمّا أن يؤخذ العام ، فحينئذ لا يجوز طرح جميع الخصوصات ؛ إذ المعارضة ليست بينه وبين الجميع ، بل بينه وبين جملة مبهمة يلزم من الأخذ بها التخصيص المستبشع ، فيطرح هذه الجملة ويؤخذ بالباقي.

فيحصل التعارض حينئذ بين نفس الخصوصات ، فإمّا أن يعمل بالتخيير أو الترجيح، وحيث إنّ الغرض هو المساواة يعمل بالتخيير.

ومن هنا يعلم الحال في ما لو كان المرجّح في طرف العام ، أو يعمل التخيير أو الترجيح بين الخصوصات ، كما أنّه لو كان المرجّح في جانب الخصوصات يطرح العام بالمرّة ، هذا مع مساواة حال العام مع جميع الخصوصات أو رجحانه بالنسبة إلى الجميع أو مرجوحيّته كذلك.

وأمّا مع اختلاف حاله بالنسبة إليها بأن كان مساويا للبعض وراجحا على البعض أو مرجوحا ، أو كان راجحا على البعض ومرجوحا من البعض فالظاهر معاملة حال المساواة مع الكلّ ؛ فإنّ المعارض للعام هو البعض المبهم ، لا كلّ واحد ، ورجحان البعض المبهم يتوقّف على رجحان الجميع ومرجوحيّته على مرجوحيّة الجميع ، وأمّا مع الاختلاف فلا رجحان ولا مرجوحيّة.

٤٧٤

الامر الرابع :

بناء على ما عرفت من تقديم العلاج الدلالي على السندي لا إشكال في النصّ والظاهر ، والأظهر والظاهر ، سواء كان ذلك موجبا للتصرّف في طرف واحد كالعام والخاص ، أم في الطرفين كما مرّ من رفع اليد عن ظهور هيئة الأمرين المعلوم وحدة التكليف في موردهما في التعيينية بنصوصيّة الآخر في أصل الإجزاء وحملها على التخييريّة ، ولا إشكال في هذا.

إنّما الإشكال في ما إذا صلح رفع اليد عن كلّ من ظهوري الدليلين المتنافيين بواسطة ظهور الآخر مع عدم أظهريّة في البين ، كما إذا ورد : اغتسل للجمعة وقلنا بظهور الهيئة في الوجوب ، وورد : ينبغي غسل الجمعة ، وقلنا بظهور لفظة «ينبغي» في الاستحباب ، حيث إنّه من الممكن إرادة الاستحباب من الهيئة ، وليس هذا مخرجا للكلام عن الطريقة المألوفة في المحاورة ، ومن الممكن أيضا إرادة الوجوب من الثاني ، ولا يخرجه ذلك أيضا عن المرسوم في المحاورة ، وفرضنا تساوي الظهورين وعدم رجحان أحدهما على الآخر ، فهل يؤخذ حينئذ بالسندين ويحكم بإجمال الروايتين من حيث المدلول المطابقي فيرجع إلى الأصل الموافق لأحدهما ، أو أنّه يرجع إلى المرجحات السنديّة مع وجودها ، ومع العدم إلى التخيير؟

وكذا لا إشكال في ما إذا كان التنافي بين الخبرين مع تساويهما ظهورا في بعض من المدلول مع اتّفاقهما في البعض الآخر ، مثلا ربّما يكون مفاد أحدهما : أكرم زيدا العالم ، ومفاد الآخر : لا تكرم زيد العالم ، وهذا لا إشكال في شمول أخبار العلاج له لو كانا متساويين في الظهور.

وأمّا إذا كان مفاد أحدهما : أكرم كلّ عالم ، ومفاد الآخر : لا تكرم كلّ فاسق ، فاجتمع العلم والفسق في الزيد وفرض تساويهما في الظهور فحينئذ في شمول الأخبار العلاجيّة لهما إشكال من حيث إنّ المتبادر من الخبرين المتعارضين ما إذا كان التنافي والتكاذب بين نفس الخبرين وهو لا يتمّ إلّا بوقوعه بين مدلوليهما

٤٧٥

المطابقيين ، وأمّا بالنسبة إلى المدلول التضمّني والالتزامي فليس هنا إخبار عديدة بعدد أجزاء المدلول وملازماته حتى يتحقّق التعارض في بعضها دون بعض ، بل المشتمل على النسبة التامّة التجزّمية ليس في البين إلّا واحد وهو قوله : قال العالم : أكرم العلماء ، والمفروض أنّ هذا غير متناف مع الخبر الآخر إلّا ببعض المدلول.

كيف ولو فرض دخولهما بهذا الاعتبار تحت الاخبار لزم طرح أحدهما الغير المخيّر أو المرجوح في تمام مدلوله حتى في ما لم يتعارضا فيه ؛ لأنّ الحكم في الأخبار في الخبرين المتعارضين هكذا ، ولا يمكن الالتزام به والاقتصار على طرحه في ما تعارضا فيه خلاف ما حكم به في الأخبار ، فلا بدّ من إدراجهما في الأخبار باعتبار الخبر التضمّني ، وقد عرفت أنّه ليس في البين إلّا خبران ، فلا يقال للمخبر ب «جاءنى القوم» إنّه أخبر أخبارا عديدة بعدد أفراد القوم.

هذا مضافا إلى أنّه لا ينقدح في ذهن العرف تعارض بين السندين بمحض ملاحظة العامّين من وجه كما كان ينقدح عند ورود المتباينين مثل أكرم العلماء ولا تكرم العلماء ، والسرّ تعارف مثل التكلّم بالعام مع عدم إرادة بعض الأفراد لبّا ، وبالعام الآخر الذي نسبته مع الأوّل عموم من وجه وإرادة الفرد المجمع للعنوانين من هذا العام الأخير أو بالعكس.

وبالجملة ، تخصيصه الفرد المجمع بأحد العامين في الإرادة اللبيّة لا يورث خروجا عن طريقة المحاورة ، بخلاف تخصيص أحد العامين المتباينين بالتباين الكلّي ببعض الأصناف في اللبّ ، والآخر ببعض آخر ؛ فإنّه خلاف رسم المحاورة ، ولم يسمع من متكلّم قطّ ، وإذا لم يكن أصل صدور الكلامين غير مخرج للكلام عن قانون المحاورة فلا داعي لهم إلى الترديد في السند ؛ إذ لا يلزم من الأخذ به فيهما محذور.

وبالجملة ، مصبّ أخبار العلاج ما إذا حدث في ذهن العرف ترديد في سند أحد الخبرين وهو ما إذا قصرت يدهم عن الحكم بصدور القضيّتين من المتكلّم على النهج العرفي ، وأمّا إذا أمكن ذلك فإن اتّضح طريق الجمع بين الكلامين كما في النصّ

٤٧٦

والظاهر والأظهر والظاهر ، فلا كلام ، وإن لم يتّضح وتردّد الأمر بين احتمالين لا مرجّح لأحدهما كما في العامين من وجه ، ومثل اغتسل للجمعة ، وينبغي غسل الجمعة مع عدم أظهريّة في البين ، فيحكمون حينئذ بإجمال كلام المتكلّم ، كما لو نقل الناقل الواحد كلاما مجملا ذا احتمالين ، فلو سألوا في هذا المقام لسألوا عن تعيين المراد ، ولا يسألون عن أنّ أيّ الناقلين صادق وأيّهما كاذب ، كما كانوا يسألون ذلك عند التباين الكلّي.

والحاصل انصراف أخبار العلاج بالنسبة إلى مورد وجود العلاج الدلالي ، وهذا المورد على نسق واحد ، فلا بدّ من الحكم في العامّين من وجه والمثال المتقدّم وأشباهه بالخروج عن تلك الأخبار والمشي فيهما على القاعدة الأوّليّة من التوقّف والرجوع إلى الأصل.

لا يقال : الأخذ بالسند الذي مرجعه التوقّف في العمل والإجمال في مقام الدلالة لا معنى له.

لأنّا نقول : فرق بين التعبّد والبناء العملي الملازم مع العمل الجوارحي على الطبق ، بل عينه ، ففيه لا يتصوّر التعبّد المنجرّ إلى عدم العمل وتركه وبين مقام معاملة الطريق العقلائي التي معناها النظر إليه نظر العلم ، نعم يعتبر فيه أن لا يكون بلا مساس بالمكلّف أصلا ، فيكفي كونه محلّا لابتلائه من حيث صحّة نقله وإخباره الرواية عن الإمام عليه‌السلام ، فهذا المقدار كاف لمقام الطريقية يعني لصحّة إمضاء الشارع للطريقة العرفيّة في باب الطرق ، بخلاف ما إذا كان الباب باب التعبّد والبناء العملي ، فإنّه لا يصحّ إلّا في ما إذا كان لنفس المؤدّى عمل ، ويكون صحّة الإخبار بتبعه ، فلا يكفي مصحّحا له ابتداء.

الامر الخامس :

لو بنينا في المرجّحات على الاقتصار على المنصوصات وأخذنا فيها بالترتيب

٤٧٧

فلا كلام ، وأمّا إن بنينا على التعدّي وأنّ المعيار مطلق المزيّة الموجبة للأقربيّة إلى الواقع أو الأبعديّة عن الكذب ، أو بنينا على الاقتصار ، ولكن اسقطنا الترتيب بمعنى عدم استفادته من الأخبار فحينئذ مقتضى القاعدة في ما إذا تحقّق في أحد الخبرين مزيّة من المزايا الموجبة لأحد الأمرين ، وفي الآخر اخرى هو الرجوع إلى إطلاقات التخيير من غير فرق بين أنحاء المزايا ؛ فإنّ منها ما يرجع إلى أقربية الصدور ، وهو إمّا في الراوي كأوثقيّته وأصدقيّته ، وإمّا في المتن كالفصاحة والركاكة.

ومنها ما يرجع إلى جهة الصدور مثل مخالفة العامّة وموافقتهم بناء على ما يستفاد من بعض الأخبار من كون جهة مرجحيّته ذلك ، وهو قوله عليه‌السلام : «ما سمعت منّي يشبه قول الناس ففيه التقيّة ، وما سمعت منّى لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه».

ومنها ما يرجع إلى أقربيّة المضمون وهو الشهرة وموافقة الكتاب وسائر الظنون الغير المعتبرة ، فإذا كان أحد الخبرين أوثق راويا من الآخر ، أو أفصح متنا ، وبعبارة اخرى : أرجح من حيث الصدور ، ولكن كان موافقا لمذهب العامّة ، وكان الآخر مخالفا للعامّة وأرجح من حيث جهة الصدور وأقرب إلى كون صدورها لبيان حكم الله الواقعي فمقتضى القاعدة هو معاملة التساوي ؛ فإنّ موردي المرجّحين وإن كان أحدهما وهو الجهة في طول الآخر وهو الصدور ، ولكنّ المفروض عدم الترتيب بين نفس المرجّحين ، هذا.

وقد خالف في ذلك شيخنا الأجلّ المرتضى قدس‌سره الشريف ، فأوجب في المثال تقديم الأوثق وإن كان موافقا على غيره وإن كان مخالفا ، وعلّل ذلك بأنّ إجمال المرجّح الجهتي إنّما هو بعد الفراغ عن الصدور في كلا الخبرين إمّا قطعا كما في المتواترين ، وإمّا تعبّدا كما في المتكافئين ، وأمّا إذا أمكن الحكم بصدور أحدهما المعيّن وطرح الآخر كما في المتفاضلين في الصدور فلا تصل النوبة حينئذ إلى المرجّح الجهتي.

ثمّ استشكل على نفسه بأنّه لم لا يؤخذ بكلا السندين حتّى يتعيّن حمل الموافق على التقيّة كما في القطعيين وكما في النصّ والظاهر ، والأظهر والظاهر ، حيث يؤخذ

٤٧٨

فيهما بالسندين ، فيتعيّن التأويل في الظاهر وحمله على النصّ أو الأظهر.

فأجاب بأنّه لا معنى للتعبّد بالسند لأجل حمله على التقيّة وإلغائه عن مرتبة الحجيّة ، والحال أنّ معنى التعبّد لزوم العمل على طبق المضمون.

هذا محصّل صورة مرامه قدس‌سره ولم يتّضح لنا حقيقته ؛ فإنّه بظاهره متّضح الإشكال ؛ فإنّه قدس‌سره إن أراد بالفراغ عن الصدورين تعبّدا كونهما مشمولين للحجيّة الاقتضائيّة الجائية من قبل أدلّة أصل حجيّة خبر الثقة فلا إشكال في أنّ المقام كذلك.

وإن أراد كونهما حجّتين فعليتين حتّى بحسب حال التعارض ، فكلامه قدس‌سره في جواب الاستشكال مصرّح بعدم إمكانه وعدم المعنى للحجيّة المنتهية إلى الإسقاط والطرح في مقام العمل.

وإن أراد أنّ مرتبة الرجوع إلى المرجّح الجهتي متأخّرة عن مرتبة المرجّح الصدورى ، فهذا عين الدعوى ، فلا يصلح علّة لها.

وإن أراد أنّ مقتضى الجمع العرفي عند كون أحد الكلامين مطابقا لمذهب العامّة وكون الآخر مخالفا هو حمل الأوّل على الصدور للتقيّة ، والثاني على الصدور لأجل بيان الحكم الواقعي ، فهذا ينافي جعل مخالفة العامّة في عداد المرجّحات السنديّة ، بل اللازم ذكره في عداد وجوه الجمع العرفيّة ، مع أنّ الواجب هو الحكم بذلك في المتفاضلين أيضا ، فما وجه التفرقة بينهما وبين المتكافئين والمتواترين ، وبالجملة ، هو قدس‌سره أعلم بما أفاد.

والحمد لله على ما تيسّر لي من تحرير هذه الجملة من مسائل التعادل والتراجيح وإيّاه أسأل أن يجعل أعمالنا الحسنة في كفّة الميزان راجحة على سيئاتنا ، وأن يغفر زلّاتنا ويصلح شأننا ، وينفع به إيّانا والمؤمنين بحقّ محمّد وآله المعصومين الغرّ الميامين ، عليهم أفضل صلوات المصلّين ، وكان الفراغ في يوم الأحد التاسع والعشرين من جمادي الثانية من سنة ١٣٤٣ في بلدة قم ومجمع أهل العلم والفضل ، صانها الله عن تزاحم أهل الجور والجهل خصوصا في هذا الزمان المعدوم فيه العدل.

٤٧٩

قاعدة لا ضرر

و

الاستصحاب

٤٨٠