أصول الفقه - ج ٢

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ٢

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٥٢
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

في المقيّد ناش عن الشكّ في أحد أجزائه التحليلية من الذات والتقيّد ، والذات هنا محرزة بالوجدان ، والشكّ إنّما هو في التقيّد ، فإذا حكم بوجود القيد فلا حكم للشكّ الأوّل ، ولا عكس.

فإن قلت : إحراز ذات القيد وحده غير كاف ، بل لا بدّ من إحراز التقيّد أيضا ، وإحرازه بهذا الأصل لا يتمّ إلّا على الأصل المثبت.

قلت : هذا إذا كان مجرى الأصل هو القيد بوصف التجرّد وكان معتبرا في العمل بوجوده السرياني فيه ، لا بوجوده في محلّ كاعتبار عدم كون اللباس من أجزاء غير المأكول في الصلاة ؛ فإنّ استصحاب عدم كون اللباس كذلك لا يثبت تقيّد الصلاة بذلك ، وهذا بخلاف الطهارة ، فإنّها اعتبرت في الصلاة باعتبار وجودها في المصلّي ، فاستصحاب الطهارة لا يحتاج إلى إحراز التقيّد ؛ لأنّ تقيّد الصلاة بصدورها عن هذا الشخص محرز بالوجدان ، وهكذا الكلام في ما إذا كان مجرى الأصل هو القيد مع الخصوصيّة.

ومن هذا القبيل ما نحن فيه ، فإنّ مفاد أصالة الصحّة أنّ كلّ ما يكون مورثا لشكّك حاصل ، فيفيد القيد والتقيّد جميعا.

فإن قلت : وجود المقيّد مغاير للأجزاء التحليلية بالبساطة والتركيب ، والإجمال والتفصيل ، والرتق والفتق ، ولا يكون أثرا شرعيّا أيضا لوجود الأجزاء ، فما وجه رفع الشكّ فيه بواسطة الأصل الجاري في الأجزاء ، فإذا كان للإنسان مثلا حكم وكان الأصل عدمه واحرز الحيوان بالوجدان والناطقيّة بالأصل فبأيّ سبب يترتّب على هذا الأصل حكم الإنسان ، وكيف يكون هذا من الأصل السببى والمسبّبي؟

قلت : نعم ، ولكن إذا احرز تمام الأجزاء فقد احرز الموضوع عرفا وإن كان بينهما فرق بالدقّة العقليّة بالإجمال والتفصيل.

وإن قلنا بأنّ مفاد أصالة الصحّة هو التطبيق ، فنقول أيضا بتقدّمها على أصالة عدم وجود المقيّد ، ووجه ذلك أنّ وجه تقديم الأصل السببي على المسبّبي أنّه لو

٤٠١

قدّم الأصل في السبب كان خروج المسبّب من باب التخصيص ، لكونه أثرا شرعيّا للسبب ، ولو قدّم في المسبّب كان خروج السبب من باب التخصيص ، والخروج الحكمي ، والتخصّص أولى من التخصيص.

وهذا الوجه بعينه موجود في ما نحن فيه وإن لم يكن المقام من ذاك الباب ، وذلك لأنّ هنا شكّين ، أحدهما الشكّ في أنّ العقد العربي موجود أو لا ، والثاني الشكّ في أنّ هذا العقد عقد عربيّ أو لا؟ ، والأصل في الثاني يرفع الشكّ الأوّل بمفاده الأوّلي ولا عكس ، أمّا الثاني فلأنّ أصالة عدم وجود العقد العربي لا يثبت كون هذا العقد غير عربى إلّا بالأصل المثبت ، وأمّا الأوّل ، فلأنّ أصالة كون هذا العقد عقدا عربيّا الذي هو مفاد أصالة الصحّة مفادها الأوّلي تطبيق هذا الكلّي على هذا الجزئي والحكم بوجود هذا الكلّي في هذا الجزئي.

وأمّا الكلام في ما إذا كان الاستصحاب في نفس القيد والجزء جاريا ، فينبغي أوّلا التكلّم في ضابط جريان الاستصحاب وعدمه في القيود ونحوها بحسب الكبرى.

فنقول : إن كان التقيّد محتاجا اليه ولم يمكن إحرازه بالأصل لعدم الحالة السابقة وكان مجرى الأصل ذات القيد المجزّى والمعرّى عن العلاقة والارتباط بالذات فلا يكون الاستصحاب في القيد جاريا سواء كان القيد وجوديّا أم عدميّا ، وسواء كان الاستصحاب في جانب الوجود أم في طرف العدم ، وذلك لأنّه يحتاج إلى إثبات التقيّد الذي هو المعنى الحرفي ، والمحتاج إليه في تحقّق عنوان المقيّد الذي هو الموضوع للحكم.

ومثال ذلك في الاستصحاب الوجودي واضح ، وكذلك في العدمي سواء في صورة اعتبار القيد الوجودي أم العدمي كاعتبار العربيّة في الصيغة واعتبار عدم الوقوع في جزء حرام اللحم في الصلاة ، فاستصحاب عدمها غير جار ؛ لأنّ العدم المرتبط ليس له حالة سابقة ، والعدم المطلق يكون استصحابه مثبتا.

فلا سبيل حينئذ إلّا إلى الاستصحاب في نفس المقيّد ، وقد عرفت آنفا أنّه إن كان مجرى أصالة الصحّة نفس القيد فالمقام من الأفراد الواضحة للشكّ السببي والمسبّبي ، وإن كان مجراه هو المقيّد فالمقام نظير ذاك الباب ؛ فإنّ هنا قضيّتين

٤٠٢

مشكوكتين ، الاولى أنّ الإنسان مثلا موجود أو لا؟ والثاني أنّ هذا الشخص إنسان أو لا؟ ومن المعلوم أنّ الأصل المتكفّل لأنّ الإنسان معدوم لا يثبت أنّ هذا الشخص ليس بإنسان إلّا على الأصل المثبت ، ولكنّ الأصل المتكفّل لأنّ هذا الشخص إنسان يرفع الشكّ في وجود الإنسان ؛ لأنّه متكفّل لأمرين ، أحدهما أنّ الإنسان موجود ، والثاني تطبيقه على هذا الشخص.

وإن كان التقيّد محتاجا إليه وكان له حالة سابقة أيضا ، فاستصحاب القيد وجودا وعدما جار بلا إشكال ، ومنه استصحاب الكرّية والطهارة في الماء بوصف كونهما مرتبطتين وقائمتين به ، واستصحاب عنوان المقيّد أعني الماء الكرّ الطاهر أيضا يجوز في هذا المورد ، ولكنّه غير جار ، لكون شكّه مسبّبا عن الشكّ في القيد ، ثمّ استصحاب القيد والتقيّد يترتّب عليه أثر المقيّد ، ولا يقال : إنّه يحتاج إلى إثبات عنوان المقيّد ، فإنّ إحراز الذات بالوجدان وإحراز التقيّد بالتعبّد يكون عند العرف عين إحراز المقيّد وإن كان بينهما وبين المقيّد مغايرة اعتباريّة.

ولهذا قلنا : إنّ الشكّ في المقيّد يكون مسبّبا عن الشكّ في التقيّد ، فيكون بين هذين وبين المقيّد بينونة وعينيّة عند العرف ، فبلحاظ البينونة يحكم بأنّ شكّيهما سببي مسبّبي ، وبلحاظ العينيّة يحكم بترتّب الأثر الثابت للمقيّد على الأصل المثبت للتقيّد ، وهكذا الحال بعينه في الكلّ والجزء ، فللعرف هنا نظران متناقضان.

وإن كان التقيّد غير محتاج إليه لكون القيد مأخوذا في محلّ كالفاعل ، كاعتبار البلوغ في العاقد واعتبار الطهارة في المصلّي ، فحينئذ لا إشكال أيضا في جريان الاستصحاب في القيد وجودا وعدما ، كما في استصحاب الطهارة لجواز الدخول في الصلاة ، واستصحاب عدمها لعدمه ، وكما في استصحاب البلوغ في شخص لنفوذ العقد الصادر منه وصحّته واستصحاب عدمه لعدمه ، فالقيد هنا لم يجعل ساريا في العمل حتّى يحتاج إلى إحراز تقيّد العمل به ، وإنّما لوحظ تقيّد الفعل بذات الفاعل وهو صدوره منه ، ولوحظ تقيّد الفاعل بهذا القيد ، وهذا التقيّد والقيد كلاهما محرز بالاستصحاب ؛ لوجود الحالة السابقة لهما.

٤٠٣

وحينئذ نقول : إن كان مجرى أصالة الصحّة في عمل الغير نفس القيد والتقيّد حصل المعارضة بينها وبين هذا الاستصحاب ، وإن كان مجراها هو المقيّد كان هذا الاستصحاب حاكما ومقدّما عليها ؛ لأنّ الشكّ في المقيّد ناش عن الشكّ في القيد.

فإن قلت : إنّ هذا الاستصحاب غير جار حتّى يكون معارضا أو حاكما ، وذلك لعدم الأثر له ، فإنّ الأثر للعقد الصادر من البالغ ، فعدم الأثر مسبّب عن عدم العقد الصادر عن البالغ ، وبهذا الاستصحاب يحرز العقد الصادر عن غير البالغ ، وهو مضادّ للعنوان الأوّل الذي هو السبب ، وملازم للعنوان الثاني الذي هو نقيض السبب.

قلت : يكفي في شمول أدلّة الاستصحاب والقابليّة لجعل الشارع كون القيد دخيلا في الأثر ، وثبوت الأثر التعليقي له ، وهو أنّ البالغ لو صدر منه العقد فهو نافذ ، وغير البالغ لو صدر منه العقد فغير نافذ ، فللشارع التوسعة والتضييق في هذين الموضوعين لهذين الأثرين التعليقيين ، فله أن يحكم في شخص بالبالغيّة فيحكم بنفوذ العقد الصادر منه ، وفي آخر بعدمها ، فيحكم بعدم نفوذ العقد الصادر منه.

وإن شئت قلت : إنّ أثر البالغ أنّ عقده نافذ ، وأثر غير البالغ أنّ عقده غير نافذ ، فحال هذين الموضوعين حال موضوع الخمر ، حيث أنّ أثره أنّ شربه حرام.

فإن قلت : هذا الاستصحاب مثبت ؛ لأنّ ارتفاع الأثر مسبّب عن ارتفاع مطلق السبب أعني العقد الصادر من بالغ ، وغاية الأمر ارتفاع السببيّة عن هذا العقد الشخصي بالاستصحاب ، وارتفاع الكلّي إنّما يكون بارتفاع جميع أشخاصه ، فلا بدّ من انضمام القطع بعدم صدور سائر الافراد من العقود الصادرة عن أولياء هذا الشخص المأذونين من قبله ، فيحكم بعدم الكلّي بانعدام بعض الأفراد بالوجدان ، وانعدام بعضها بالأصل ، وهذا من الأصل المثبت ؛ فإنّ عدم الكلّي بانعدام الأفراد عقلي إلّا في ما إذا كان الجامع شرعيّا وكان ترتيب عدمه على عدم جميع الأفراد ، ووجوده على وجود أحدها بترتيب الشرع كالحدث والطهارة ونحوهما.

وأمّا استصحاب عدم الجامع فرفع اليد عن الفرض ؛ فإنّ الفرض إتمام المقصود

٤٠٤

باستصحاب عدم البلوغ في هذا الشخص الذي صدر منه هذا العقد ، لا باستصحاب عدم العقد الصادر عن البالغ في هذا المال.

قلت : قد يكون الأثر مرتّبا على الكلّي باعتبار صرف الوجود فلا مدخليّة لخصوصيّات الأفراد في الأثر أصلا ، وقد يكون باعتبار الوجود الساري ، وحينئذ يكون لكلّ وجود من الوجودات الخاصّة أثر مستقلّ كحرارة النار ، ومن هذا القبيل ما نحن فيه ؛ فإنّ قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) حكم على أشخاص العقود ، وحينئذ فنفي بعضها بالقطع وبعضها بالأصل لرفع الأثر المترتّب على كلّ واحد ممّا لا مانع عنه أصلا.

بقي الكلام في وجه تقديم أصالة الصحّة على هذه الاصول الموضوعيّة المقتضية للفساد مع ما عرفت من معارضتها لهذا الأصل أو حكومتها عليه بحسب المفاد.

فنقول : وجهه أنّه لو عمل بتلك الاصول في هذه الموارد دونه يلزم لغويّة هذا الأصل الثابت حجيّته ببناء العقلاء وقلّة فائدته وندرة مورده ، فإنّ الشكّ في الصحّة ناش من الشكّ في الإخلال ببعض الأجزاء والشرائط المعتبرة فيه ، ومقتضى الأصل غالبا عدم هذا الشيء الذي نشأ الشكّ منه كما لا يخفي ، فالكلام هنا على نحو ما مرّ في قاعدة الشك بعد تجاوز المحلّ.

ثمّ لو فرضنا قلّة موارد جريان هذه الاصول أمكن التمسّك لتقديم أصالة الصحّة عليها أيضا ، بالسيرة ، فانها قائمة على العمل بأصالة الصحّة في موارد وجود تلك الاصول كاستصحاب كون المصلّي محدثا ، وعدم مأذونيّة البائع من المالك ، وبقاء المبيع على ماليّة الغير ونحو ذلك ، ولا يخفي أنّ السيرة على العمل الخارجي ولا يمكن الاكتفاء في ردعها بالعموم والإطلاق ، بل لا بدّ من التنصيص والتصريح ، فحيث لم يرد ، كشف عن رضاهمعليهم‌السلام بها وإمضائهم لها ، والحاصل أنّ السيرة على العمل الخارجي لا يمكن أن يعارض بالعمومات والإطلاقات الدالّة على المنع.

* * *

٤٠٥

الامر الحادي عشر :

اعلم أنّه صرّح شيخنا المرتضى قدس‌سره في غير واحد من كلماته بأنّ وجه تقديم الأمارات على الاستصحاب هو الحكومة (١) ، وضابطها على ما قرّره قدس‌سره في مبحث التراجيح أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي ناظرا إلى مدلول دليل آخر بما هو مدلول الدليل ، وكان بمنزلة «اعني» وبحيث لو لم يكن الدليل المحكوم كان لغوا ، كما يكون كلمة «اعني» لغوا لو لم يكن مسبوقا بلفظ كان هو تفسيرا له ، ولا يخفي وجه التقديم في كلّ دليلين كانا كذلك، ولكنّ الشأن في ثبوت هذا في موارد نحكم بالحكومة ، كأدلّة نفي الضرر والعسر والحرج بالنسبة إلى أدلّة الأحكام ، وكأدلّة الامارات بالنسبة إلى أدلّة الشكوك ، وكقوله : لا شكّ لكثير الشكّ بالنسبة إلى أدلّة الشكوك في الصلاة.

ولا يخفي عدم تماميّته فيها ، ووجه ذلك أنّه لا لغويّة في قوله : لا ضرر مثلا لو لم يكن في البين أدلّة الأحكام ، سواء فسّرناه بنفي الحكم الضرري ، أم بنفي الموضوع الضرري، أمّا على الاوّل فواضح ، وأمّا على الثاني كما في قوله : «لا شكّ لكثير الشكّ» فلأنّ نفي الموضوع وإن كان لا بدّ وأن يكون بلحاظ نفي الحكم ، ولكن لا يلزم أن يكون بلحاظ الحكم المدلول للفظ ، بل ولا لقاعدة بما هو مدلول لهما ، بل يكفي أن يكون بلحاظ نفي الحكم واقعا ، كما هو الحال في قوله عليه‌السلام : «رفع ما لا يعلمون».

وهنا طريق آخر يمكن إرجاع كلام الشيخ إليه ، وهو أن يقال : قد تعلّق الحكم على موضوع واقعي كقوله : أكرم العلماء ، فإنّه إنشاء وجوب الإكرام في موضوع

__________________

(١) راجع ص ٦٤٣ و ٧١٠

٤٠٦

العلماء وقوله : لا تكرم العلماء إنشاء التحريم في موضوع العلماء وقوله : لا تكرم الفسّاق من العلماء ، إنشاء التحريم في موضوع الفسّاق من العلماء ، وحينئذ يتحقّق التعارض إمّا بالتباين الكلّي كما بين الأوّلين ، أو بالجزئى كما بين الأوّل والثالث ، وقد تعلّق الحكم على نفس الحكم كقوله : الحكم الضرري لم أجعله ، وإيجاب إكرام الفاسق ما أنشأته ، وهذا حاكم على قوله : أكرم العلماء ؛ فإنّ العقلاء إذا لاحظوا هذين لم ينقدح في نفسهم التعارض ، فإنّ إسناد إرادة المعنى الحقيقي في أصالة الحقيقة والعموم في أصالة العموم من اللفظ إلى المتكلّم يكون مغيّا بعدم إظهار من المتكلّم على خلافه ، فإذا قال : ما أردت وجوب إكرام الفاسق ، فأصالة الحقيقة وأصالة العموم المقتضيان لإرادة المتكلّم إيجاب إكرام الفاسق لا محلّ لهما.

وسرّ ذلك أنّ قولنا : أكرم العلماء ، ليس معناه إسناد إرادة معناه إلى المتكلّم ، وانّما هو متكفّل لنفس المعنى ، وإسناد إرادة معناه إلى المتكلّم يكون بحكم العقلاء ، وأمّا قولنا : ما أردت إيجاب إكرام الفاسق فمفاده اللفظي إسناد للإرادة إلى المتكلّم نفيا ، فلا بدّ أن لا تعارض أصالة العموم في قوله : ما أردت الخ بأصالة العموم في قوله : أكرم العلماء وإن فرض كون أصالة العموم في الثاني أرجح منها في الأوّل.

مثلا لو قال : جاءني أسد أعني الرجل الشجاع ، وكان كلمة «أعني» مردّدة بين التفسير ومعنى آخر أجنبيّ عنه وكان ظاهرا في التفسير ، فأصالة الحقيقة فيه يقتضى الحمل على التفسير ، وأصالة الحقيقة في الأسد يقتضي الحمل على الحيوان المفترس ، فهل ترى تردّدا من نفسك في تقديم الأصالة الاولى على الثانية ولو فرض كونها أقلّ ظهورا من الثانية؟، وهذا بخلاف ما لو قال : رأيت أسدا يرمي ، فإنّه يجب مراعاة الأقوى ظهورا من اللفظين.

ومن هنا يظهر ما في ما ادّعاه بعض الأساتيد من اعتبار كون الدليل الحاكم أظهر في حيث شارحيّته من الدليل المحكوم ، وهذا وإن كان ممكن الانطباق على

٤٠٧

دليل نفي الضرر ونحوه كما لا يخفي ، ولكنّه غير ممكن الانطباق على ما نحن فيه من أدلّة الأمارات والاصول ؛ فإنّه مبنيّ على أن يكون مفاد دليل اعتبار الأمارة تنزيل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع ، وتنزيل الشكّ معها منزلة العدم واليقين حتّى يكون مرجع التنزيل الثاني إلى نفي الآثار المجعولة للشكّ ، فيكون معنى «صدّق العادل» : اعمل بمفاد قوله وألق احتمال الخلاف ، ومن المعلوم أنّ مؤدّى دليل الاعتبار ليس إلّا تنزيل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع من دون تعرّض لحال احتمال الخلاف ، مثلا لو أخبر البيّنة بأنّ هذا نجس ، فمفاد دليل الاعتبار أنّه نجس واقعا من دون تعرّض لأنّ احتمال الطهارة يكون كالعدم.

وبالجملة ، تقريب الحكومة متوقّف على استفادة هذين التنزيلين من دليل الأمارة ، وهو إمّا غير معقول ؛ لاستلزمه اجتماع اللحاظين المتنافيين ـ كما مرّ تفصيله في مبحث القطع ـ وإمّا لا يمكن استظهاره من دليل الأمارة ، فمفاده تنزيل المؤدّى ليس إلّا ، كما أنّ مفاد دليل الأصل أيضا تنزيل حكمه منزلة الواقع ، فمن هذه الجهة لا فرق بينهما ، فمفاد جميع أدلّة الاعتبار مفاد قوله : «العمري وابنه ثقتان ، ما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان» وهو التنزيل منزلة الواقع فقط ، وأمّا قوله : «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما يؤدّي عنا ثقاتنا» فليس مفاده إلّا نفي التشكيك من جهة الأخذ بقوله ، لا رفع التشكيك من جهة الواقع بمعنى رفع آثاره.

وحينئذ لا بدّ لوجه التقديم في ما نحن فيه من التماس طريق آخر ، فنقول : كما أنّا قد قلنا في مبحث القطع بأنّ القطع المأخوذ في الموضوع قد يؤخذ على وجه الطريقيّة ، وقد يؤخذ على وجه الصفتيّة ، والمراد بالأوّل هو الجامع بين القطع وسائر الطرق ، وهو مطلق انفتاح باب الواقع والتمكّن منه ووصول اليد إليه بحيث أمكن المكلّف أن يقول : هذا هو الواقع ، سواء كان بطريق وجداني أم عقلائي ، أم شرعي ، والمراد بالثاني خصوص الكشف التامّ المانع عن النقيض ، كذلك الشكّ

٤٠٨

المأخوذ موضوعا قد يؤخذ على وجه الصفتيّة وهو أن يكون المكلّف متزلزلا متردّدا بين الوجود والعدم وعدم الاحتمال المانع عن النقيض في شيء من الطرفين.

وقد يؤخذ على معنى انسداد باب الواقع على المكلّف وانقطاع يده عنه بالمرّة بحيث لم يكن له أن يقول : هذا واقع ، ولا إشكال أنّ كلّا من الأمارة والأصل طريق إلى الواقع ، فمع كلّ منهما يمكن للمكلّف أن يقول : هذا واقع ، فإنّ مفاد قاعدة الطهارة أنّ هذا طاهر، يعني بمنزلة الطاهر الواقعي ، ومفاد قاعدة الحلّ أنّ هذا حلال ، يعني بمنزلة الحلال الواقعي ، ومفاد الاستصحاب أنّ العمل السابق عملك في الحال ، يعني أنّه بمنزلة العمل الواقعي ، كما أنّ مفاد دليل حجيّة الأمارة أنّ مؤدّى الأمارة من الوجوب أو الحرمة أو غير ذلك يكون بمنزلة الواقع.

والفرق أنّ موضوع الأمارة هو الشكّ الوصفي والترديد في الواقع ، وموضوع الأصل هو التحيّر في العمل المنسوب إلى الواقع بواسطة عدم الطريق لا إلى نفس الواقع ولا إلى بدله وما هو بمنزلته.

نعم حيث لا يمكن أن يكون الحكم رافعا لموضوعه وجب أن يكون الموضوع هو التحيّر مع قطع النظر عن حكم هذا الأصل ، لا التحيّر المطلق ؛ فإنّ الأصل أيضا ـ كما مرّ ـ طريق إلى ما هو بمنزلة الواقع ، فلا تحيّر معه.

وحينئذ فقيام الأمارة يرفع التحيّر لو لا الأصل وجدانا ، وقيام الأصل لا يرفع الشكّ والترديد في الواقع ، وهذا معنى الورود ، ولا فرق في ذلك بين الشبهة الحكميّة والموضوعيّة ، فإنّ الخلّ الذي يحتمل انقلابه إلى الخمر ـ مثلا ـ إذا قام البيّنة على خمريّته يزول التحيّر في خمريّته ؛ لوجود الطريق على الخمريّة ، فيحكم بالنجاسة وحرمة الشرب ، هذا.

ولكنّ الشأن في استظهار الشكّ اللاطريقي من لفظ الشكّ الواقع في قوله : «لا تنقض اليقين بالشكّ» ومن الغاية في قوله : «كلّ شيء طاهر حتى تعلم» و «كلّ شيء

٤٠٩

حلال حتى تعلم» إلى غير ذلك من سائر ادلّة الاصول فنقول : يمكن استظهاره بوجهين :

الأوّل : بدعوى أنّ الغالب من حال من يكون بصدد بيان حال الشكّ في الواقعيّات أن يكون متعرّضا لحال انقطاع اليد عنها رأسا ومن جميع الوجوه ، لا لحال وصف الترديد فيها وإن كان للمكلّف طريق إلى الواقع رافع لحيرته وجدانا ، فالمراد من اليقين والشكّ في مثل قوله : «من كان على يقين فشكّ» الخ هو عدم التحيّر ووجود الطريق ، ووجود التحيّر وعدم الطريق.

الثاني : من المعلوم أنّ اعتبار الأمارات والاصول إنّما هو في حقّ غير القاطع بالواقع ، وأمّا القاطع بالوجود أو بالعدم فليس في حقّه أمارة ولا أصل ، وهذا واضح يحكم به العقل ، ولم يرد في شيء من أدلّة اعتبار الأمارات التقييد بصورة الشكّ ، وجميع أدلّة الاصول مقيّدة بذلك ، فيستكشف من هذا ـ يعنى تغيير الاسلوب في البابين ـ أنّ الشكّ المأخوذ في باب الاصول يكون المراد به الحيرة وعدم الطريق ، فيكون في الاصول شيئا زائدا معتبرا علاوة على ما يعتبر في الأمارات أيضا بحكم العقل وهو الشكّ الوصفي.

ثمّ على فرض عدم استظهار الشكّ اللاطريقي من أدلّة الأصل فلا أقلّ من مساواته مع احتمال الشكّ الوصفي ، لا ظهور الثاني ، فيكفي في المطلوب ذلك أيضا لحصول الإجمال في دليل الأصل المسقط عن الاستدلال ، فيكون إطلاق دليل الأمارة سليما عن المعارض هذا.

فإن قلت : التحيّر موجود ابتداء وإن كان بعد تقديم أصالة الإطلاق في دليل الأمارة يرفع حقيقة ، ولكنّه بعد أوّل الكلام ، فلم لا تقدّم أصالة الإطلاق في دليل الأصل؟.

قلت : وجهه أنّه لو عمل بأصالة الإطلاق أو العموم في دليل الأصل يلزم رفع اليد عن الحكم في دليل الأمارة مع وجود الموضوع ، وهذا تقييد وتخصيص ، ولو

٤١٠

عمل بأصالة الإطلاق أو العموم في دليل الأمارة يلزم رفع اليد عن الحكم في دليل الأصل بارتفاع الموضوع ، وهذا تقيّد وتخصّص ، ومتى دار الأمر بين التقييد والتخصيص وبين التقيّد والتخصّص ، فالتقيّد والتخصّص أولى.

وإن شئت قلت : إنّ العمل بأصالة الإطلاق أو العموم في دليل الأمارة ليس فيه مخالفة قاعدة أصلا ، والعمل بأصالة الإطلاق أو العموم في دليل الأصل مستلزم لأحد محذورين ، إمّا التقييد والتخصيص بلا جهة ، وإمّا التقييد والتخصيص مع الجهة لكن على وجه دائر ، وذلك لأنّ حكم الأصل إن لم يكن قرينة على التقييد والتخصيص في دليل الأمارة يلزم تقييد دليل الأمارة وتخصيصه بلا جهة ؛ إذ المفروض عدم قرينة اخرى أيضا ، وإن كان قرينة على التقييد والتخصيص فهذا متوقّف على وجود التحيّر توقّف الحكم على وجود الموضوع ، ووجود التحيّر أيضا موقوف على قرينيّته على التخصيص أو التقييد كما هو واضح.

والعجب من شيخنا المرتضى قدس‌سره حيث إنّه بعد البناء على أنّ المراد من الشكّ في الاصول عدم الدليل والطريق والتحيّر في العمل ومع قيام الدليل الاجتهادي ، لا حيرة ، قال ما لفظه : إنّه لا يرتفع التحيّر ولا يصير الدليل الاجتهادي قطعيّ الاعتبار في خصوص مورد الاستصحاب إلّا بعد إثبات كون مؤدّاه حاكما على مؤدّى الاستصحاب ، وإلّا أمكن أن يقال : إنّ مؤدّى الاستصحاب وجوب العمل على الحالة السابقة مع عدم اليقين بارتفاعها ، سواء كان هناك الأمارة الفلانيّة أم لا ، ومؤدّى دليل تلك الأمارة وجوب العمل بمؤدّاه ، خالف الحالة السابقة أم لا ، ولا يندفع مغالطة هذا الكلام إلّا بما ذكرنا من طريق الحكومة كما لا يخفي ، انتهى.

إذ فيه أنّه كيف يمكن أن يكون للحكم إطلاق بالنسبة إلى وجود موضوعه وعدمه وحينئذ فيكفينا إطلاق دليل الأمارة من دون حاجة إلى إثبات الحكومة ،

٤١١

اللهم إلّا أن يقال : إنّ كلامه قدس‌سره مبنيّ على مقدّمة غير مذكورة في الكلام وهو أنّه بعد البناء على أنّ الموضوع في الاصول هو التحيّر يكون في الأمارات أيضا ذلك بشهادة القطع باتّحاد النسق في الأمارات والاصول ، ومعلوم أنّ تقديم الأمارة حينئذ يبتني على تقريب الحكومة بأن يقال : إنّ مفاد دليل الأمارة أنّ المؤدّى بمنزلة الواقع ، والتحيّر أيضا بلحاظ أثره الذي هو حكم الأصل بمنزلة العدم.

إلّا أن يقال : إنّ تقييد إطلاق دليل الأمارة بوجود الشكّ الوصفي معلوم بحكم العقل ، وأمّا تقييده بالشكّ اللاطريقي فلا دليل عليه ، فإطلاقه من هذه الجهة محفوظ.

وهنا تقريب آخر وهو أن يقال : إنّ الاصول أحكام في موضوع الشاكّ في الواقع ، والأمارات أحكام لا في هذا الموضوع ، بل في فرض الشكّ ، والملحوظ فيها رفع الشكّ.

وتوضيح ذلك أنّه قد يكون الحكم في القضيّة الاخباريّة أو الإنشائيّة في فرض الشكّ وبغرض رفعه كما في غالب القضايا الإخباريّة ، حيث إنّ المخبر له فيها ذات الخاطب ، لا هو بوصف كونه جاهلا بمضمون القضية ، لكنّ الغرض فيها إعلام المخاطب ورفع الشكّ عنه بحيث لو علم المتكلّم بعلم المخاطب لما أخبر إلّا في مثل «حفظت التوراة» ممّا يكون المقصود فيها إعلام المخاطب بعلم المتكلّم بمضمون القضيّة ، وقد يكون الحكم معلّقا على عنوان الشكّ بحيث يكون عنوان الشاكّ محكوما بحكم كذا.

ووجه الجمع أنّ حكم الاصول مجعول في مرحلة بقاء الشكّ واستقراره ، وحكم الأمارات مجعول في مرحلة ابتداء الشكّ بغرض رفعه ، وحيث لا رفع حقيقة فيكون الرفع بلحاظ آثار الشكّ ، وهذا تقريب الحكومة ، لكن لا بمعنى أنّ لسان دليل الأمارة بمفاده اللفظي لسان الحكومة ، بل بمعنى أنّ دليل الأمارة بمعاونة هذا الغرض حاكم على دليل الأصل ، فهذا جمع بين الدليلين بحسب اللبّ لا بحسب

٤١٢

المفاد اللفظي ، وهذا سالم عن إشكال الجمع بين اللحاظين ، فإنّ المستحيل هو اجتماعهما عرضا ، وهذا جمع بينهما طولا وهو بمكان من الإمكان.

وعلى هذا فالعلم والشكّ في الاصول والأمارات مأخوذان على وجه الصفتيّة ، ولكن لا يلزم من هذا البيان رفع الآثار الثابتة لوصف الشكّ إلّا من حيث التحيّر فى الواقع ، ولا إثبات الآثار الثابتة لوصف العلم إلّا من حيث عدم التحيّر فيه ، وأمّا الآثار الثابتة لهما من غير هذا الحيث ـ كقولك : إذا شككت في كذا فتصدّق بدرهم ، وإذا علمت به فصلّ ركعتين ـ فلا ؛ إذ ليس في دليل الأمارة نظر إلى تلك الآثار.

وأمّا وجه الاستظهار فهو أنّه كما أنّ نفس قول الصادق صلوات الله عليه يكون بغرض التنبيه والإعلام ورفع الشكّ وإزالة الجهل كذلك دليل تنزيل ما ينزّل بمنزلته من محكي قول العادل أيضا ظاهر في كونه بهذا المنوال ، فكما أنّ قول الصادق صلوات الله عليه : الصلاة كذا ، والصوم كذا ونحو ذلك يكون بغرض رفع الجهل ، كذلك قوله عليه‌السلام : «ما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان» أيضا ظاهر في كونه بهذا الغرض ، وكما أنّ الأخذ من نفس المعصوم يكون بغرض الاستفهام والاستعلام ، كذلك الأمر بالأخذ في قوله : «خذ معالم دينك من فلان» أيضا ظاهر في كونه بغرض الإفهام والإعلام.

بل نقول : إنّ تنزيل الشكّ منزلة العدم والعلم هو المصرّح به في قوله عليه‌السلام : «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يروي عنا ثقاتنا» ويدلّ بالالتزام على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ، فالأمر في هذا على عكسه في قوله : «ما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان» ، فالمصرّح به فيه تنزيل المؤدّى ، ويدلّ التزاما على تنزيل الشكّ ، لكن هذا الخبر خبر الواحد ، وبخبر الواحد لا يثبت كيفيّة حجيّة خبر الواحد.

ولبعض الأساطين تقريب آخر ، قال : لا يخفي أنّ مجرّد الدليل على الخلاف وإن لم يوجب خروج المورد عن مورد الاستصحاب ، إلّا أنّه يخرجه حقيقة عمّا تعلّق به

٤١٣

النهي في أخبار الباب من النقض بالشكّ ، فإنّه لا يكون معه نقضا بالشكّ ، بل بالدليل ، فلا يعمّه النهي فيها كما لا يخفي ، وليس أفراد العام هاهنا هو أفراد الشكّ واليقين كي يقال: إنّ الدليل العلمي إنّما يكون مزيلا للشكّ بوجوده ، بل أفراده أفراد نقض اليقين بالشكّ ، والدليل المعتبر ولو لم يكن علميّا يكون موجبا لأن لا يكون النقض بالشكّ ولو مع الشكّ ، بل بالدليل.

ثمّ أخذ في الإشكال بما أشرنا إليه من أنّ الورود إنّما يتمّ في صورة تقديم دليل الأمارة ، وهو بعد أوّل الكلام والجواب عنه ، ثمّ إبطال تقريب الحكومة.

ثمّ قال ، لا يقال : قضيّة قوله في بعض أخبار الباب : «ولكنّه تنقضه بيقين آخر» هو النهي عن النقض بغير اليقين والدليل المعتبر غير موجب لليقين مطلقا ، فكيف يقدّم كذلك.

لأنّا نقول : لا محالة يكون الدليل موجبا لليقين ، غاية الأمر لا بالعناوين الأوّليّة للأشياء ، بل بعناوينها الطارئة الثانوية ، مثل ما لو قام على وجوبه أو حرمته خبر العدل ، أو قامت البيّنة على ملكيّته ونجاسته بالملاقاة إلى غير ذلك من العناوين المنتزعة من سائر الأمارات ، وبأدلّة اعتبارها علم أحكام هذه العناوين بلا كلام ، فلا يكون نقض اليقين إلّا باليقين بالخلاف ، ولا منافاة بين الشكّ فيه من وجه القطع من وجه آخر.

وبذلك انقدح وجه تقديم الأمارات على سائر الاصول ، وذلك لأنّها أحكام لما شكّ في حكمه ولم يعلم بوجوبه أو حرمته بوجه ، ضرورة أنّ ما علم حكمه ولو من وجه ليس محكوما بالحليّة ب «كلّ شيء لك حلال» مثلا ، وقد علم بوجه وببعض العناوين حكم المشكوك عند قيام الأمارة ، فما قامت الأمارة المعتبرة على حرمته أو خمريّته قد عرفت حرمته، فدخل في الغاية ، فلا يعمّه حكم المغيّا في «كلّ شيء لك حلال» كما لا يخفي : انتهى كلامه ، رفع مقامه.

٤١٤

ويشكل بأنّه بعد البناء على أنّ المراد باليقين في قوله : «ولكن تنقضه بيقين آخر» وبالعلم في غايات سائر الاصول هو المتعلّق بالأعمّ من الحكم الأوّلى المتعلّق بالعنوان الأوّلي والحكم الثانوي المتعلّق بالعنوان الثانوي.

وبعبارة اخرى : المتعلّق بالحكم الفعلي الأعمّ من الواقعي والظاهرى يؤول الأمر بالأخرة إلى جعل الشكّ في باب الاستصحاب مثل سائر الاصول متعلّقا بالحكم الفعلى (١) ، وحينئذ فما معنى قوله قدس‌سره : وليس أفراد العام هاهنا الخ ، بل المتعيّن أن يقال : إنّ الشكّ قد اخذ وصفا لا بمعنى التحيّر ، ولكن وقع التصرّف في متعلّق الشكّ ، حيث جعل الحكم الفعلي دون خصوص الواقعي ، وحيث إنّ احتمال التناقض كقطعه مستحيل فلا بدّ من جعله الحكم الفعلي من غير جهة الشكّ لا من تمام الجهات.

وكذلك يبتنى على القول بجعل الحكم في الأمارات دون جعل الحجيّة ، وكذا يجب أن يكون الموضوع هو الشكّ في الحكم الفعلي من غير جهة هذا الأصل ، لئلّا يكون الحكم رافعا لموضوعه ، وحينئذ فلا شبهة أنّه عند قيام الأمارة يرتفع الشكّ في الحكم الفعلي من غير جهة الأصل وجدانا ، وهذا معنى الورود.

ولكن ينقدح حينئذ الإشكال بأنّه لا وجه لاختصاص هذا المطلب أعني كون المتعلّق هو الحكم الفعلي بالاصول ، بل الحال في الأمارات أيضا كذلك ، فالقاطع بالحكم الفعلي ليس موردا للأمارة ، كما لا يكون موردا للأصل فلو قطع في مورد باعتبار الاستصحاب مثلا في قبال الأمارة كان ذلك ورودا بالنسبة إلى الأمارة لا تخصيصا ، وحينئذ فلا محيص عن القول بأنّ الأمارات الملحوظ فيها رفع الشكّ ، والاصول موضوعها الشاك ؛ فإنّ جعل المتعلّق الحكم الفعلي تحقّق ورود الأمارة على

__________________

(١) لا يخفى الفرق بين هذا وبين ما ذكرنا ، فإنّ الشكّ على هذا مأخوذ صفة ، والمتعلّق هو الحكم الفعلي الأعمّ من الظاهري والواقعي ، والشكّ على ما ذكرنا يكون بمعنى عدم الطريق ، والمتعلّق نفس الواقع سواء كان حكما واقعيا أم موضوعا واقعيا. منه قدس‌سره الشريف.

٤١٥

الأصل ؛ لارتفاع الشكّ في الحكم الفعلي من غير قبل الأصل حقيقة بقيام الأمارة ، وإن جعل الحكم خصوص الحكم الواقعي تحقّق حكومة الأمارة على الأصل بالتقريب المتقدّم.

فاتّضح من هنا صحّة الكلام المتقدّم من شيخنا المرتضى طاب ثراه وعدم ورود الإيراد الذي أوردناه عليه.

ويشكل على ما ذكره قدس‌سره أيضا بأنّه لا يتمّ في الشبهة الموضوعيّة ؛ فإنّ متعلّق اليقين والشكّ فيها نفس الموضوع لا الحكم ، والموضوع غير قابل للجعل ، فلا يتبدّل الشكّ فيه بالقطع في مرحلة الفعليّة عند قيام الأمارة ، فلو قطع بالفسق ثمّ شكّ في تبدّله بالعدالة وقامت البيّنة على العدالة ، فبهذه البيّنة لا تصير العدالة مجعولة كما يصير الحكم في الشبهة الحكميّة مجعولا ، بل الشكّ في العدالة والفسق بعد محفوظ ، فلا يتمّ في هذه الشبهة تقريب الورود مع كون الشكّ مأخوذا على وجه الصفتيّة. نعم لو جعل بمعنى الحيرة وعدم الطريق تمّ تقريب الورود في هذه الشبهة أيضا ، كما هو واضح.

تتمّة : في وجه تقديم الاستصحاب على ما عداه من سائر الاصول (١) ، أمّا تقديمه على البراءة العقليّة والاحتياط والتخيير فواضح أنّه للورود ، لوجود البيان والمؤمّن ورفع التحيّر حقيقة بوجود الاستصحاب.

وأمّا البراءة الشرعيّة المستفادة من قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» فذهب بعض الأساتيد قدس‌سره إلى أنّ تقديم الاستصحاب عليه أيضا للورود ، بتقريب أنّ الفعل الذي شكّ في بقاء حرمته وارتفاعها بعنوان أنّه نقض لليقين السابق ورفع اليد عنه والجري على خلاف الحالة السابقة يكون حراما ، فيدخل في الغاية حقيقة وهو ما ورد فيه النهي ويخرج عن المغيّى كذلك أعني المشكوك الحرمة ، فإنّ المراد بالغاية هو النهي الأعمّ من المتعلّق بالعنوان الأولي و

__________________

(١) راجع ص ٦٤٨ و ٧١٨

٤١٦

المتعلّق بالعنوان الثانوي ، والمراد بالمغيّا هو مشكوك الحرمة بجميع العناوين ، وهذا بخلاف أصالة الإباحة والحلّ ، فإنّ لسان دليلها أنّ المشكوك حلال ، وهذا تجويز لنقض اليقين بالشكّ ، فيكون تخصيصا في دليل الاستصحاب.

وفيه أنّ الحال في الاستصحاب هو الحال في أصالة الإباحة ، فالفعل الذي شكّ في حرمته في مرحلة البقاء محكوم بالحرمة في دليل الاستصحاب ، والفعل الذي شكّ في حرمته في مرحلة الثبوت محكوم بالحليّة في أصالة الإباحة ، وأمّا عنوان نقض اليقين السابق ورفع اليد عنه ، والجري على خلاف الحالة السابقة ، وإمضاء اليقين السابق والجري على وفاق الحالة السابقة وعنوان المتيقّن سابقا ، فكلّ هذا إشارة إلى كون الشكّ في مرحلة البقاء والاستمرار ، فموضوع حكم الاستصحاب هو المشكوك الاستمراري لا عنوان آخر غير الشكّ ، ولو سلّم الموضوعيّة لهذا العنوان فإنّما يتمّ هذا التقريب لو جعل الشكّ في باب الاستصحاب خاصّا بالشكّ في العنوان الأوّلي ، وأمّا لو جعل فيه أيضا شكّا بجميع العناوين ـ كما مرّ أنّ كلامهقدس‌سره يرجع إلى هذا ـ فيتحقّق الورود من كلا الطرفين كما لا يخفى.

وذهب شيخنا المرتضى طاب ثراه إلى الحكومة بتقريب أنّ الإباحة في أصالة الإباحة مغيّاة بورود النهي في الشيء بعنوانه الخاص ، لا بعنوان كونه مشكوك الحكم ودليل الاستصحاب مفيد ؛ لأنّه متى ورد النهي في زمان في الشيء بعنوانه الخاص يجب تعميم هذا النهي وإبقائه في ما بعد لو شكّ فيه أو في موضوعه ، وهذا معنى الحكومة.

وفيه أنّ مجرّد الحكم بوجوب تعميم النهي السابق المتعلّق بالعنوان الأوّلي غير موجب للحكومة ما لم يكن في البين تنزيل الشاكّ في النهي المتعلّق بالعنوان الأوّلي في اللاحق منزلة القاطع أو تنزيل الشكّ في وجوده في اللاحق منزلة القطع ، فإنّ نفس الحكم بوجوب التعميم حكم ظاهري في عرض الحكم الظاهري بالإباحة الواقعيّة في أصالة الحلّ ، فيتعارضان ويتنافيان ، والحاصل أنّ نفس الحكم والتنزيل ظاهري في كليهما ، والمحكوم أعني وجود النهي في الاستصحاب والإباحة

٤١٧

في أصالة الحلّ واقعي في كليهما أيضا ، فلا فرق بينهما من هذه الجهة.

والحقّ أن يقال : إنّ دليل الاستصحاب تنزيل للشكّ في النهي السابق أو في موضوعه منزلة اليقين به ، أو يقال : إنّ مفاده إيجاب عمل المتيقّن على الشاك ، وعلى كلا التقديرين تتمّ الحكومة ؛ إذ كما أنّ الحكومة تتمّ بنفي الموضوع كذلك بنفي حكم الموضوع ، فكما أنّ قوله : «لا شكّ لكثير الشكّ» حاكم على أدلّة الشكوك ، فكذلك قوله عليه‌السلام : لا حكم لكثير الشكّ.

والفرق بين الوجهين أنّه على الأوّل حيث إنّ لسان الكلام هو التنزيل ، والتنزيل يكون بلحاظ الآثار ، فمعنى نزّل الشكّ منزلة اليقين : رتّب عليه آثار اليقين ، فيكون العمل الخارجي على هذا تابعا للآثار ، وأمّا على الثاني فلا تنزيل في البين ويكون معنى الكلام أوّلا هو الأمر بالعمل الخارجي للمتيقّن.

فلا يرد على هذا ما يورد على الأوّل من أنّ العلم بالتحريم لا أثر له إلّا وجوب الطاعة وهو أثر عقلي فتنزيل الشكّ منزلة اليقين لا يصحّ باعتبار هذا الأثر.

وكيف كان فوجه الحكومة على التقديرين واضح ؛ إذ مفاد أصالة الإباحة هو الحكم بأنّ هذا المشكوك مباح لك أيّها الشّاك ، ومفاد الاستصحاب على الأوّل : نزّل نفسك أيّها الشاك منزلة المتيقّن ، وعلى الثاني : اعمل أيّها الشاك عمل المتيقّن ، ومن الواضح حكومة الثانيين على الأوّل ، هذا على تقدير أخذ الشكّ في الاصول صفة.

وأمّا على تقدير أخذه بمعنى التحيّر وعدم الطريق فحينئذ وإن كان الأخذ بكلّ من أصالة الإباحة والاستصحاب موجبا لرفع التحيّر حقيقة بالنسبة إلى الآخر ، إلّا أنّه مع ذلك يقدّم الاستصحاب ؛ لأنّ مفاد أصالة الإباحة ليس إلّا أنّ هذا الفعل مباح ، فكون المكلّف ذا طريق يحصل في الرتبة المتأخّرة عن هذا الحكم ، فيشترك هذا التقدير مع التقدير السابق في أصل الحكومة ، ويفترقان في ارتفاع الموضوع حقيقة على الثاني دون الأوّل ، وأمّا في الاستصحاب فحصول الطريق وارتفاع التحيّر نفس لسان الدليل ؛ فإنّ الحكم في الاستصحاب على وجه : أنّك ذو طريق ، وعلى آخر : اعمل عمل ذي الطريق.

٤١٨

الأمر الثاني عشر (١)

في تعارض الاستصحابين ، وله قسمان ، الأوّل : أن يكون الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر ، والثاني : أن يكون الشكّ في كلّ منهما مسبّبا عن ثالث ، وأمّا كون الشكّ في كلّ مسبّبا عن الآخر فدور.

أمّا القسم الأوّل كما في المثال المعروف من غسل الثوب النجس بالماء المشكوك الطهارة في الحال المعلوم الطهارة في السابق ، فإنّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب مسبّب عن الشكّ في بقاء طهارة الماء ، فالحقّ فيه تقدّم الأصل في الشكّ السببي عليه في المسبّبي لوجهين.

الأوّل : أنّ استصحاب طهارة الماء يثبت طهارة الثوب ، ولكن استصحاب نجاسة الثوب لا يثبت نجاسة الماء ، أمّا الأوّل فلأنّ الحكم بأنّ هذا الماء طاهر حكم بأنّ الثوب النجس المغسول به مع شرائط التطهير يصير طاهرا ، وهذا الحكم الثاني بالنسبة إلى موضوع الثوب واقعي وإن كان بالنسبة إلى موضوع الماء حكما ظاهريّا ؛ لأنّه قد اخذ فيه الشكّ في الماء ، لا الشكّ في الثوب ، فيكون نسبته إلى استصحاب نجاسة الثوب الذي اخذ فيه الشكّ في الثوب نسبة الحكم الواقعي إلى الظاهري ، فإن اخذ الشكّ صفة كان وجه التقدّم هو الحكومة ؛ لأنّ حكم طهارة الثوب يكون بغرض رفع الشكّ وبيان الواقع ، وحكم نجاسته يكون موضوعه الشاك ، وإن اخذ بمعنى التحيّر وعدم الطريق تحقّق الورود للجهة المذكورة مع ارتفاع التحيّر في نجاسة الثوب حقيقة.

وأمّا الثاني وهو عدم إثبات استصحاب نجاسة الثوب نجاسة الماء فلما هو واضح من أنّ نجاسة الماء ليست أثرا شرعيّا لنجاسة الثوب ، نعم بين نجاسة الثوب

__________________

(١) راجع ص ٦٥١

٤١٩

ونجاسة الماء من أوّل الأمر ملازمة اتفاقيّة ، فعلم أنّه لو قدّم استصحاب النجاسة في الثوب كان الشكّ في طهارة الماء محفوظا ، ولو قدّم استصحاب الطهارة في الماء كان الشكّ في نجاسة الثوب إمّا معدوما ، أو بمنزلة المعدوم.

الوجه الثاني : وهو أنفع ممّا تقدّم ؛ لأنّه لو قلنا بحجيّة الأصل المثبت أو بحجيّة الاستصحاب من باب الظنّ ـ كما هو قول مشهور الأصحاب رضوان الله عليهم ـ أمكن إثبات نجاسة الماء باستصحاب نجاسة الثوب ، فيجري فيه الكلام المتقدّم من الحكومة على تقدير أخذ الشكّ صفة ، والورود على تقدير أخذه بمعنى عدم الطريق ، فيكون الحال في الاستصحابين على السواء.

وأمّا هذا الوجه الذي نذكره فيتمّ على هذين القولين أيضا ، وهو أنّ الشكّين الذين أحدهما معلول للآخر بالنسبة إلى حيازة حكم لا تنقض ليسا بأقوى من العلتين التامّتين العقليين في حيازة معلول واحد ، ولا شكّ أنّ العلّتين العقليّتين يتقدّم أسبقهما رتبة عند تواردهما على معلول واحد ، ولا يزاحم بالعلّة الاخرى قطعا ، فكذا الحال في المقام.

أمّا القسم الثاني وهو ما إذا كان كلّ من الشكّين مسبّبا عن ثالث كما في صورة العلم الإجمالي بارتفاع أحد الحادثين أو الحادثات فله صور :

الاولى : أن يلزم من إجراء الأصل في جميع الأطراف مخالفة قطعيّة عمليّة بأن كان العلم الإجمالى متعلّقا بثبوت التكليف ، والأصل على نفيه في جميع الأطراف ، كالعلم بنجاسة أحد الطاهرين.

والثانية : أن يلزم من إجراء الأصل في جميع الأطراف مخالفة الإجماع ، كما في مسألة الماء المتمّم والمتمّم بناء على الإجماع على اتّحاد حكم الماءين المتحدّين ظاهرا وواقعا.

والثالثة : أن لا يلزم من العمل بالأصل في جميعها مخالفة عمليّة قطعيّة ولا مخالفة الإجماع ، ويرتّب الأثر على الأصل في جميع الأطراف ، كالعلم بطهارة أحد النجسين ، وكما لو توضّأ غفلة بمائع مردّد بين الماء والبول ، حيث يحكم ببقاء الحدث وطهارة البدن من الخبث معا بالاستصحاب.

٤٢٠