والأهم من ذلك أن طبيعة العصر الذي ولدت البلاغة في نطاقه ، لا تسمح لمبادئها الفنية أن تتجاوز تخوم العصر وتخترقه إلى عتبة العصر الحاضر مثلاً ؛ لأن المطالبة بذلك يظل أمراً غير مقبول البتة. لكن من غير المقبول أيضاً أن نجمد ـ نحن المعاصرين ـ على قواعد فنية فرضتها طبيعة القرون الأُولى ، ولا نسمح لأنفسنا بالخضوع إلى قواعد العصر الذي نحياه.
لذلك ليس من المعيب أن تتسم البلاغة الموروثة بالطوابع التي أشرنا إليها ، مادامت نابعة من طبيعة القصور الفني الذي يطبع القرون الوسطى. إلاَّ أن المعيب هو : أن نعطّل إمكاناتنا الثقافية ونشدّها بعجلة القرون الأًولى (١).
وأياً كان ، فإن المهمّ هو أن نعرض لهذا الجانب من خلال التصوّر الإسلامي.
إن نصوص القرآن الكريم والنصوص الفنية الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام ، تتميّز بكونها نصوصاً مطبوعة بسمتي (الخاص والعام) ، أي أنها ترشح بإمكانات يفيد منها كل جيل بحسب الثقافة التي تغلّف الجيل المذكور. إنها تتضمّن وجوهاً إعجازية وفنّية خبرتها القرون الوسطى بحسب ما تمتلكه من مبادئ وقواعد فنية ، (من نحو مستويات التشبيه والاستعارة والكناية مثلاً).
لكنها في الآن ذاته (أي النصوص الشرعية) تتضمّن وجوهاً إعجازية لم تخبرها تلكم القرون ، بل جاء العصر الحديث وخبرها بما يمتلكه من أدوات الثقافة النفسية والاجتماعية والعلمية بنحو عام ، فدرسها في ضوء خبراته الجديدة. وهذا من نحو الدراسات التي تناولت العنصر القصصي في القرآن ، حيث أشرنا إلى أن البلاغة الموروثة نسجت صمتاً كاملاً حيال العنصر المذكور ؛ نظراً لعدم امتلاكها للثقافة القصصية التي فرزتها بيئات أخرى قديماً وحديثاً. فلو سمحنا لأنفسنا بالجمود على البلاغة الموروثة ، لَما أمكننا أن نُقدّم أي جديد من وجوه الإعجاز القرآني ، ومن ثَمَّ لم نقدّم إسهاماً في نشر المعرفة الإسلامية. إن تضمّن النص القرآني مختلف أوجه الإعجاز ، الذي يتخطّى ما هو خاص إلى ما هو عام ، يفرض على الدارس الحديث أن يكتشف الأوجه المذكورة من خلال أدواته الحديثة التي يمتلكها عصره. ويظل العنصر القصصي واحداً من النماذج التي حرصنا على إبرازه ، بصفته مجرد نموذج للتدليل على أهمية التوسّل بأدوات العصر لتبيين الوجوه الإعجازية فيه ، وضرر الجمود على أدوات القرون الأولى.
والامر نفسه بالنسبة إلى بناء النص القرآني من حيث كونه (سورة) ، لها بداية ووسط ونهاية ، زوعي فيها تخطيط محدّد بالنسبة إلى توصيل الأفكار إلى الجمهور بما هو أشد إثارة وتعميقاً.
