فالتوسل بأدوات المعرفة الحديثة بالنسبة إلى طرائق الاستجابة البشرية وما يرافقها من العمليات الذهنية ، يسعف الدارس على اكتشاف وجوه الإعجاز القرآني في بناء السورة ، والتخطيط لموضوعاتها وفق عمليات النموّ والتلاحم والتوازي والتقابل الهندسي لها.
وحتى بالنسبة إلى التناول الجزئي للنص ، مثل الصورة أو الإيقاع أو المرأى أو الموقف ، بمقدور الدارس الذي يتوسل بأدوات الفن الحديث أن يكتشف وجوه الإعجاز القرآني ، أو السمات الفنية التي تتضمّنها خطب أو رسائل أو أحاديث أهل البيت عليهمالسلام.
وهذا كله فيما يتصل بمهمة الدارس للنصوص الشرعية.
أما ما يتصل بمهمة الفنان ، قاصاً أو مسرحياً أو شاعراً أو خطيباً ، فإن التوسّل بأدوات الفن الحديث يرشّحه للنجاح في أداء مهمته الإسلامية ، طالما يواجه جمهوراً له مناخه الأدبي الذي يحياه. وهذا على العكس من التوسل بأدوات البلاغة الموروثة ، حيث يعزل الفنان عن جمهوره ويدمغه بطابع التخلّف الفني ، فضلاً عن أنه يقدّم نتاجاً رديئاً متكلّفاً ممقوتاً ، لا يؤدّي المهمة الإسلامية التي استهدفها في نتاجه المشار إليه.
من هنا ، فإن التوفّر على بلاغة حديثة يفرض ضرورته على ميدان الفن الإسلامي ، سواء أكان ذلك في نطاق الدراسة الأكاديمية (الجامعة والحوزة) ، أو نطاق التعلّم لآداب لغة القرآن ، أو نطاق الدراسة الأدبية (دراسة النصوص الإسلامية) ، أو نطاق الأعمال الإبداعية (قصة مسرحية ، قصيدة ، خطبة ، خاطرة ، مقالة ..).
وإذا كنّا (في الكتاب الذي نقدّمه) قد ألممنا بمجمل التصور الإسلامي لمبادئ الفن (١) ، (وهو ما نعنيه بالبلاغة الحديثة) ، فإن المطلوب من سائر الدارسين أن يتوفّروا على هذه المبادئ بنحو مفصّل ، لتشكّل خطوطاً لقواعد الفن ، بدلاً من القواعد البلاغية الموروثة بالنحو الذي تقدّم الحديث عنه.
