بالرغم من أنها قد توفّرت على أدق التفصيلات المتصلة بظواهر (المعاني) أو (البديع) إلى درجة التخمة الممقوتة ، لم تتوفّر على دراسة العنصر القصصي في القرآن الكريم ، مع أنها ساهمت في دراسة النص القرآني في تبيين وجوه الإعجاز المختلفة فيه ، حيث ظلت هذه المساهمة في صعيد القواعد الموروثة. علماً بأن البحث عن الإعجاز القرآني يتطلّب دراسة مختلف أشكاله التعبيرية ...
طبيعياً أن غياب العنصر القصصي من ميدان اللغة العربية وآدابها ، يفسّر لنا غياب الدراسة البلاغة للإعجاز القصصي في القرآن ، إلاَّ أن الكثير من القواعد البلاغية الموروثة ، قد تأثّرت ـ خلال الترجمة من آداب الأغارقة ـ بمفهومات الأغارقة ، مثل : فنّ الخطابة ، وفن الشعر المسرحي ، بل مطلق العمل القصصي وجد له طريقاً ـ من خلال الترجمة ـ إلى آداب اللغة العربية آنذاك ...
لكن فيما يبدو أن العمل القصصي والمسرحي بما أنه قد اقترن بالفكر الوثني ، حينئذٍ من الممكن أن يشكّل ذلك حاجزاً عن التوفّر على دراسة مبادئه. لكن مع ذلك ، كان من الممكن أن تنبثق نظرات (إبداعية) ـ ولو في نطاق محدّد جداً ـ عن فنّ الإعجاز القصصي ، لولا انعدام الثقافة القصصية التي لا تسمح بأية محاولة إبداعية في هذا الصدد. مضافاً إلى أن وجوه الإعجاز المختلفة التي اكتشفها الدارسون آنذاك ، كافية في صرفهم عن المزيد من البحث عن وجوه أخرى لم يمتلكوا أدواتها الثقافية.
إذاً تظل البلاغة الموروثة محدودة المبادئ من جانب ، كما أنها من ـ جانب آخر ـ تظل حتى في نطاق الأشكال الأدبية التي توفّرت عليها ، ذات نظرة (تجزيئية) ، تتناول أجزاء العمل الأدبي دون أن تقرنها ب ـ (وحدة) العمل المذكور ، أي أنها تقتصر على ما هو (جزئي) فحسب ، دون أن تتناول ما هو (كلّي). إنها تتحدّث عن عناصر من نحو : (التقديم ، التأخير ، الحذف ... إلخ) بالنسبة إلى (المعاني) ، وتتحدّث عن (التشبيه أو الاستعارة ... إلخ) بالنسبة إلى (البيان) ، وتتحدث عن (التقابل أو التجانس ... إلخ) بالنسبة إلى (البديع) ... لكنها لا تتحدّث عن هذه العناصر من حيث كونها منتسبة إلى (وحدة) كليّة تنتظمها. وإذا استثنينا ما يطلق عليه مصطلح (الاستهلال) و (التخلص) و (الختام) ، حيث يرتبط هذا المفهوم بهيكل النص ، وهو مفهوم مبتسر وغائم لا يحدّد الفوارق بين أشكال النص الأدبي ، حينئذٍ لا نعثر على أية مبادئ فنية تتناول هذا الجانب.
وحتى في نطاق ما يتناول (جزئياً) ، يظل التناول المذكور أما شكلياً لا غناء فيه ، أو سطحياً لا عمق فيه ، أو متكلِّفاً لا حيوية فيه ، أو عميقاً لكن لا فائدة فيه.
