تشخيص الدلالة النفسية ذاتها ... فمثلاً إذا افترضنا أن أحد الأشخاص كان معتزماً لأن يكتب أو يتلفّظ بعبارة (العلماء) ، فكتبها أو تلفّظ بها بعبارة (العملاء) ، حينئذٍ لا يمكننا أن نرتّب أثراً نفسياً على هذه العبارة من النص المدروس ، مادمنا غير واثقين بأن العبارة المذكورة قد عبّرت بالفعل عن (سلوك لاشعوري) حيال العلماء. من الممكن أن يكون صاحب النص ذا تركيب نفسي شاذ بالنسبة لنظرته عن (العلماء) ، بحيث قفزت عن لاشعوره ، العبارة التي تختزنه أعماقه بالفعل ، ونعني بها (العملاء) ، إلاَّ أن اليقين بذلك أمر لا سبيل إليه ؛ نظراً لتماثل مخارج الأصوات في العبارتين المذكورتين ، بحيث نتوقّع أن يكون الخطأ المذكور ناجماً من الحقيقة الصوتية المذكورة وليس من اللاشعور.
إذن ، وصل النص بنفسية كاتبه لا يعد من الحالات جميعاً عملاً ذا قيمة ، مادمنا نعرف أن تشخيص ذلك لا يتم بسهولة ، بل لابد من أن يمتلك الباحث مقدرة علمية متنوّعة ، تتصل ليس بثقافته النفسية فحسب ، بل بسائر أدوات الفن التي انطوى عليها النص المدروس.
هذا ، إلى أن الباحث الإسلامي حينما يتوسل بالأداة (النفسية) في دراسة النص ، يضع في اعتباره جانباً من الأهمية بمكان كبير ، هو : أن كثيراً من النصوص لا يمكن البتة دراستها في ضوء الصلة بمبدعها ، وهذا من نحو دراسته للنصوص القرآنية الكريمة مثلاً ، أو دراسته للنصوص الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام ؛ نظر لتنزّه الله تعالى عن ذلك ، وعصمة أهل البيت عن الخطأ وسائر الفعاليات التي تصدر عن البشر العادي.
إنه من الممكن ـ فيما يتصل بالنصوص الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام ـ أن يصل الباحث بينها وبين نفسيتهم عليهمالسلام من حيث استخلاص السلوك السوي الصادر عنهم وانعكاساته على النص ، إلاَّ أن ذلك يظل في مجالات محددة ، بخاصة إذا عرفنا أن وصل النص بكاتبه يقترن ـ في غالبية الدراسات ـ باستخلاص الظواهر السلبية ، وهم عليهمالسلام معصومون من ذلك دون أدنى شك.
على أية حال ، خارجاً عن المزالق الثلاثة التي أشرنا إليها ، من المفيد جداً أن يتوكأ الباحث العلمي على هذا النمط من الوصل بين الموضوعات وأصحابها ؛ نظراً للأهمية الكبيرة التي ينطوي عليها مثل هذه الاستعانة بالبعد النفسي ... فإذا افترضنا أن أحد الشعراء ـ مثلاً ـ طالبَ في قصيدة له بتمزيق جثة الميت والتمثيل بها ، أو أن أحد الأشخاص مارس عملية (التمثيل) بعدُوِّه ... حينئذٍ فإن وصل القصيدة بنفسية صاحبها أو عملية التمثيل بممارسها ، يظل من الأهمية بمكان ، حيث يستخلص الباحث من ذلك أن الشاعر أو القاتل يحمل نزعة عدوانية يتلذّذ بتعذيب الآخرين ، وإلاَّ فإن مجرد القتل كافٍ بتحقيق الغرض الذي استهدفه الشاعر أو القاتل ، وهو التخلّص من العدو. أما أن يصحب ذلك (تمثيل) بجثته أيضاً ، فيعد مؤشراً لمرض الشخصية وشذوذها ومعاناتها لمختلف الاضطرابات النفسية.
