إذاً ، لا غبار على عملية النقد أساساً من حيث الحكم على النص بالجودة أو الرداءة ، كلّ ما في الأمر أن لغة النقد ـ كما أشرنا ـ ينبغي أن تحكمها الموضوعية من جانب ، وأن تتسم بالبعد الأخلاقي من جانب آخر. بمعنى أن التعامل بالحسنى (في حالة النقد السلبي) يظل غير منفصل عن السلوك العام الذي يطالبنا المشرّع الإسلامي بالصدور عنه.
ولعل التوصيات الإسلامية المطالبة بمفهومات من نحو : (العدل) (قول الحقّ) (الإنصاف) إلخ ، ممّا تشكّل جوهر السلوك السوي ، تظل منسحبةً على (العمل النقدي) أيضاً.
بل يمكننا أن نستخلص هذه الحقيقة بوضوح حينما نقف على توصيات خاصة في هذا الميدان ، أو حينما نقف على نماذج تطبيقية للمعصومين عليهمالسلام تكشف عن أهمية (البعد الموضوعي) في النقد ... من ذلك مثلاً : ما ورد عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من أنه لو (احتكم) طفلان مثلاً إلى أحد الأشخاص حيال أفضلهما خطاً أو كتابة ، كان من الضروري على الشخص أن يحكم ب ـ (العدل) حيال هذه القضية.
فإذا كان مجرد الخط أو الكتابة لطفلين ، وهو عمل عادى ، يتطلّب ـ في التوصيات الإسلامية ـ (موضوعية) في الحكم ، حينئذٍ فإن (الموضوعية ـ الحياد) في إصدار الحكم على العمل الفني ، تفرض ضرورتها ـ دون أدنى شك ـ على الكاتب الإسلامي.
الاستشهاد بالنموذج المعروف الذي أصدره الإمام عليّ عليهالسلام حيال أحد شعراء الجاهلية ، حينما حكم عليهالسلام بجودة نتاجه (من حيث الأداة الفنية) ، مع أنه عليهالسلام وسم النتاج المذكور ، أو وسم صاحبه ، بالطابع الانحرافي (الضلال) ، ... وهو أمر يكشف عن (الموضوعية) في أرفع مستوياتها ، مما يعني أن الطابع الموضوعي في النقد ، يظل في الحالات جميعاً ، موضع عناية المشرع الإسلامي.
* * *
هذا كلّه فيما يتصل بالبعد (الموضوعي) في النقد.
أما ما يتصل بالبعد (الأخلاقي) منه ، فإن لغة النقد ، وفق التصور الإسلامي لها ، ينبغي أن تتسم بنفس لغة التعامل الاجتماعي مع الآخرين ، من حيث الالتزام بالآداب العامة من عمليات الإرشاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ حيث لا فارق البتة بين لغة منطوقة ولغة مكتوبة ... ، بين لغة تتناول السلوك الفردي والاجتماعي ولغة تتناول السلوك الفني.
إن كلاًّ من عمليتي (التجريح) و (الفضح) اللذين نألفهما في النقد الأرضي ، ينبغي أن يتنزّه الناقد الإسلامي عنهما.
صحيح أن إبراز المساوئ الفنية في النص تفضي إلى عملية (فضح) لصاحب النص ، إلا أن هذا الأخير ينبغي أن يتقبّل ذلك برحابة صدر مادام النص الأدبي ملكا للآخرين وليس لكاتبه فحسب ، وهو ما يفترق تماماً عن السلوك الشخصي فيما يتعين إرشاد الشخص مباشرة دون فضحه أمام الآخرين ... وهذا يعني أن هناك فارقاً بين نقد السلوك الفردي وبين نقد نتاجه الفني ، وهو أمر
