يصبح اتجاهاً خاصاً به ، مثال الاتجاهات الأرضية في ضوء التميّز الذي يطبع رسالة الإسلام ذاتها.
القاص الإسلامي بدلاً من أن يبذل جهداً فكرياً يتطلّبه انتقاء الحديث والشخصية والموقف (المفتعل) ، بدلاً من ذلك ، يمكنه أن يبذل الجهد ذاته في انتقاء ما هو (واقع) من الظواهر ، وانتقاء ما هو مثير من حوار الأبطال مثلاً ، أو ما هو مثير من جزئيات الحوادث المواقف : من حيث طريقة تقطيعها وتوصيلها ، وطريقة تعامله مع (الزمن) ، من حيث توحيده وتذويبه وفقاً للنمو النفسي أو لنموه الموضوعي حسب ما يستدعيه السياق.
طبيعياً أنَّ الحرص على تسجيل وقائع (فعلية) وما يواكبها من المواقف ، لا يمكن أن يتم بسهولة إذا أخذنا بنظر الاعتبار صعوبة رصد العمليات الذهنية بالقياس إلى رصد الأحداث ، التي يمكن أن ينتقي منها ما يتواسق ووجهة النظر التي يستهدفها القاص ، على العكس من العمليات الذهنية التي لا يمكن تسجيلها البتة إلاّ من خلال النقل المباشر من لسان الأبطال أنفسهم. فالقصة القرآنية ـ مثلاً ـ عندما تنقل لنا أفكار البطل ، إنَّما ترتكن إلى كون الله تعالى (عالماً) بما في الصدور ، بخلاف القاص الذي لا يمكنه معرفة أعماق الآخرين إلاّ إذا كشفوا هم أنفسهم عمّا تحمله أعماقهم من الأفكار والعواطف والاتجاهات. ولذلك من الممكن التغلّب على هذه الصعوبة من خلال إحدى الوسائل التي تعرض لها ، فمثلاً يمكن للقاص أن يدخل إلى أعماق البطل مباشرة ، على نحو ما يفعله الخبير أو المرشد النفسي الذي يعقد لقاء مباشراً مع الأشخاص ، ثمَّ يبدأ بتسجيل كل ما يتحدَّثون به ، موجهاً إليهم مختلف الأمثلة ، حيث ينتخب من هذه الإجابات ما يتساوق مع (الهدف الفكري) الذي يريد إبرازه من القصة ، ويخضعها لعمليات التقنية التي يتطلّبها شكل القصة. كما أنّه من الممكن في ضوء الخبرة الثقافية التي يمتلكها القاص بالنسبة إلى التركيبة البشرية وطرائق استجابتها ، أن يرصد أعماق البطل فيصفها أو يصوغها من خلال الحوار الداخلي ، أو الحوار الجمعي ، شريطة ألاَّ يتجاوز المبادئ العامة التي تحكم استجابات الأشخاص عادة ، وإلاَّ فإنَّ الأمانة القصصية تُفرض عليه ، بخاصة في عمليات الصراع والشدة والمواقف المعقَّدة ، حيث لا يمكن التعرُّف على العمليات النفسية والذهنية التي رافقت الأبطال إلاَّ إذا وقف بنفسه على الحديث المباشر لهم.
الوسيلة الأخرى التي يمكن من خلالها للقاص أن يكون أميناً في نقل الحقائق الذهنية والنفسية للأبطال ، هي : قصة (الحوار الداخلي) وقصة (السيرة الذاتية) ، فهذان الشكلان القصصيان يتيحان للقاص أن يكون هو البطل ذاته. فالشكل الأول يعتمد تداعيات البطل من حيث تحرّك أفكاره من موقف لأخر ، والمحاورة مع نفسه. والشكل الآخر يعتمد النقل المباشر لِمَا خبره القاص من الأحداث والمواقف والبيئات التي تخص تجربته. فإذا افترضنا أنّ القاص الإسلامي كان في صدد صياغة عمل قصصي يتّصل بإمكانيات (التعديل) للسلوك ونقل الآخرين من الظلمات إلى النور ، سواء أكان ذلك في نطاق الموقف الفلسفي من الكون ، أو النطاق السياسي ، أو النطاق
