معينة من الحياة الفعلية وصياغتها وفق بناء عماري خاص ، على نسق ما نلحظه من القصص القرآني حيثِ ينتخب في سورة ما أحداثاً ومواقف لأحد الأبطال ، وينتخب أحداثاً ومواقف غيرها للبطل نفسه في سورة أخرى : حسب ما يستدعيه سياق السورة.
إنّ انتخاب حدث أو موقف من إحداث ومواقف الثورة الإسلامية مثلاً وسواها ، من الممكن أن نقتطع منها ما يتواسق و (وجهه النظر) التي نستهدفها ونحرص على إبراز مضمونها الإسلامي ، حيث نصوغها في ضوء اللغة القصصية التي تنتخب من الحادثة والبطل ما يتجانس مع أدوات الحوار والسرد ، وما يواكبها من عمليات التقطيع والاختزال والتكثيف ... إلخ.
إنّ القصة تتميَّز بكونها أشد لصوقا بواقع التركيبة البشرية عن سائر أشكال الفن ، فالدافع إلى الاستطلاع مثلاً ، وطريقة الاستجابة للشيء ، تجعلان القصة أشد إثارة من غيرها للنفوس ، بخاصة أنّ رصد حركة الآدميين تظل هي التجسيد الحيّ لحركة القارئ نفسه. وحيال ذلك ، فإنّ عملية الرصد لِمَا هو (فعلي) ، يكتسب قدراً من الإثارة أشد ممَّا هو (محتمل الوقوع) ، فالقارئ أو الملاحظ حين يتابع قراءة قصة (مصطنعة) ، بما تنطوي عليه من عناصر الإثارة تشويقاً ومماطلةً ونحوهما ، يظل انفعال هذا القارئ أو الملاحظ (فنياً) أكثر منه (وجدانياً) ، بمعنى أنّ انفعاله بمضمون القصة (وهمي) ، لا يترك فاعلية ذات أثر إلاّ في حينه ، ما دام سلفاً على إحاطة كاملة بأنّه حيال أحداث (وهمية) يفتعلها القاص. وهذا بخلاف ما لو علم أنّه حيال حدث فعلي ، حينئذٍ فإنَّ انفعاله بالحدث سيكتسب سمة (الفعلية) أيضاً ، بحيث يترك فاعليته في النفس ويسحب آثاره على عمليات (التعديل) للسلوك ، حيث تظل عمليات (التعديل) هي الهدف من وراء العمل الفني كما هو واضح. يضاف إلى ذلك أنّ تدريب الشخصية على أنّ تتعامل مع الواقع ، يقتادها إلى النضج الانفعالي وتماسك بنائها ، على العكس من تدريبها على التغذية من (الوهم) ، حيث يسحب ذلك أثره على بنائها العقلي والنفسي ، ومن ثمّ يرشِّحها للوقوع في وهدة الشذوذ الذي يفصلها عن أرض الواقع ويدعها نهباً للخيالات والأوهام والوساوس.
إذاً أنّ ما يتّسق مع التصور الإسلامي للسلوك هو : أن (يلتزم) القاص الإسلامي بصياغة العمل الفني المرتكن إلى الواقع الفعلي كما هو طابع القصة القرآنية الكريمة ، بخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ (فعل) و (ممارسة) ما يتصل بالحقل التشريعي يظل هو النموذج الأمثل لسلوكنا الذي ينبغي أن نصدر عنه ، أي : أنَّ مبادئ الفنّ الشرعي ـ وهو ما نلحظه في الكتاب والسنّة ـ ينبغي أن تظل النموذج لسلوكنا الفني أيضاً ، بالنحو الذي أكَّدناه عند حديثنا عن عناصر الفن في الصفحات السابقة من هذه الدراسة.
إنّ القاص الإسلامي ينبغي إنّ يصوغ له اتجاهاً قصصياً يتميَّز به ويتفرَّد بممارسته ، بحيث
