حادثة قتل وقعت لمجموعة من الأشخاص ، وأنَّ الجُناة مَثَلوا أمام القضاء ، فحكم عليهم بالإعدام) ... مثل هذا القص عن حادثة القتل (المفترضة) لا غبار عليها ما دام الكاتب والقارئ على إحاطة بأنّ الحادثة المذكورة مجرد افتراض ، بدليل قوله (افترض ... إلخ) ، وأنَّ ذلك صيغ من أجل هدف خاص ، هو التنبيه على أنّ ممارسة القتل سوف لا تمرّ على أحد من دون قصاص مثلاً.
وأمّا ما ورد عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من أنّه وسم القاص بأنّه (ممقوت) ؛ نظراً لِمَا يزيد إو ينقص في كلامه ، فإنَّ ذلك لا علاقة له بعملية (الفن القصصي) ، بل بالقصة الواقعية نفسها ؛ حيث يعرض الشخص لحادثة أو لقصة تاريخية دون أنّ يكون متأكِّداً في نقلها ، بل يزيد أو ينقص فيها إمّا عمداً أو نسياناً أو عدم تقيُّد بها ، وهو أمر ينسحب على نقل الحديث بعامة ، دون أنّ تكون له صلة بالعمل الفني كما هو واضح.
وأمّا ما ورد عن الإمام علي عليهالسلام من أنّه طرد بعض القُصَّاص من المسجد ، فمن الممكن أنّ يستند الطرد إلى قدسية المسجد وليس إلى عملية (القص) ، حيث ورد النهي عن انشاد الشعر في المسجد أيضاً ، وورد النهي ـ في سياقات خاصة ـ عن (النوم) في المسجد ، أو (البيع) فيه أيضاً ، وهو أمر لا علاقة له بمشروعية الشعر أو النوم أو البيع ، بل بقدسية المسجد الذي ينبغي إنّ يتمحّض للعمل العبادي ، وليس لتحقيق الراحة أو المال أو سائر أشكال الإمتاع النفسي والجسمي. هذا فضلاً عن أنّ القاص عصرئذٍ ـ كما يذكر المؤرِّخون ـ كان نشاطه مغايراً لِمَا تستهدفه (القصة الفنية) من أفكار ، حيث كان بعض المرتزقة يحترف القص لاستدرار المال ، فيفتعل قصصاً مثيرة من أجل تسلية المستمع وتزجية الفراغ مقابل الفائدة المالية أو الاجتماعية التي يحصل القاص عليها ، بخاصة أنّ هناك من الأشخاص ـ مضافاً للنمط الذي أشرنا إليه ـ مَن يختلق (القصة) كي يلتمس له (مجداً) في الجاهلية مثلاً ، أو مطلق الأمجاد الزائفة التي كانوا يعنون بها عصرئذٍ.
إذاً من الممكن إلاّ يقترن مع العمل القصصي ـ بصفته فنّاً ـ أي محذور شرعي في ضوء الاعتبارات التي أشرنا إليها. والأمر نفسه بالنسبة إلى (العمل المسرحي) أيضاً ، مادام (التمثيل) أو (التجسيد) ، يظل بديلاً عن الكلمة لا غير ، حيث يمكن مقارنة ذلك بعملية (وضوء) مثلاً يصطنعها شخص مستهدفاً من ذلك تعليم الآخرين لعملية الوضوء المذكورة.
* * *
هنا ينبغي أنّ نقرِّر إلى أنّه بالرغم من عدم ترتب محذور إسلامي من كتابة القصة أو المسرحية في ضوء الاختلاق لظواهر الواقع ، إلاّ أنّ المؤكَّد بأنّ التعامل مع الظواهر بنحوها (الفعلي) ـ كما هو شأن القصة القرآنية ـ يظل أمراً لا غبار عليه ألبتة ، كما أنّه يجنِّبنا أي احتمال سلبي نتوقعه حيال كتابة ما هو مصطنع أو وهمي من الظواهر.
إنّه من الممكن حقاً أن نوفّر للقارئ قسطاً من الإمتاع الجمالي من خلال انتقائنا شرائح
