وهناك مَن يذهب إلى أنّ القرن الثاني الهجري قد خبر الشكل القصصي عبر الترجمة التي توفرت لعلوم الأغارقة واليونانيين والفرس والهنود ، إلاّ إنّ الطابع (الوثني) الذي يسم الفن المذكور وقف حاجزاً عن الاستجابة له.
وأياً كان السبب ، فإن ما يعنينا هو إنّ المشرع الإسلامي لم يتعرض لهذا الفنّ : رفضاً أو تقبُّلاً أو تحفُّظاً ، إلاّ بعض الإشارات العابرة التي يمكن إخضاعها لتأويل أو آخر. بَيْد أنّ الملاحظ ـ وهذا هو موضع الأهمية ـ أنّ النص القرآني الكريم توفّر على العنصر القصصي بنحو لافت كل اللفت للانتباه.
لكن : هل أنّ القصص القرآني مماثل للقصص الأرضي المشار إليه؟
إنّ التقنية القصصية من الممكن إنّ تتماثل ـ مع ملاحظة التميُّز من جانب ، والفارق الإعجازي من جانب آخر بطبيعة الحال ـ لدى كل من القصة القرآنية والأرضية ، من حيث أدوات البناء وعناصره. إلاّ إنّ الفارق الكبير بينهما هو إنّ القصة القرآنية تتعامل مع (واقع تاريخي) ، بينما تتعامل القصة البشرية مع (واقع مصطنع أو وهمي) ، والفارق بينهما بمكان كبير من حيث مسوِّغات الفن.
وبالرغم من أنّ هناك واحداً من أشكال القصة يعرف ب ـ (القصة التاريخية) ، تتعامل في بعض أنماطها مع (الواقع التاريخي) فيما تعرض لأحداث وقعت فعلاً ، إلاّ أنها ـ كما نعرف ذلك ـ تبقى موشاة بوقائع (مختلَقة) أيضاً ، ممَّا يخرجها من نطاق حرْفية الواقع.
إنّ معرفتنا بالخطوط العامة لجوهر التشريع الإسلامي ، من حيث مطالبته عموماً بأن نتعامل مع الواقع وليس مع اختلاقه ، ومعرفتنا بأنّ عملية (القص) قد اقترنت ببعض الحظر : مثل ما ورد عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من ذهابه إلى إنّ القاص ممقوت ؛ نظراً لِمَا يصدر عنه من نقيصة أو زيادة في النقل ، ومثل ما ورد عن الإمام علي عليهالسلام من أنّه طرد بعض القصَّاص من المسجد .... مضافاً إلى إنّ (الكذب) ممقوت أساساً : والقص بعض نماذجه مثلاً. فضلاً عن أنّ القرآن الكريم لم يعرض إلاّ القصص العملي ، أي القصص الذي وقع فعلاً ، دون إنّ يتجه إلى اختلاق ذلك. أولئك جميعاً تجعلنا (نتحفَّظ) في إمكانية إنّ يسمح الإسلام بممارسة القصص المختلفة.
لكن بالرغم من (التحفُّظ) المذكور ، من الممكن أنّ يجاب على ذلك ، بأنّ التعامل مع الواقع لا يمنع من إمكانية التعامل مع ما هو (مختلَق) إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ القصة مجرد (افتراض) لواقعة أو موقف ، يقرّ بافتراضه طرفان هما (القاص والقارئ) ، بمعنى أنّ كلاًّ منهما مدرك بأنّه حيال (عمل مختلق) ، يكون بمثابة اتفاق ضمني بين الكاتب الذي يقدِّم لقارئه مادة فنية يتقبَّلها القارئ على أنَّها مصطنعة ، تستهدف إيصال بعض الحقائق لا أكثر. ومع هذا (العقد) بين الكاتب والقارئ ، تنتفي الملاحظة القائلة بأنّ القصة تتعامل مع الوهم ، كما ينتفي طابع (الكذب) عنها إذا أدركنا أنّ مجرد (الافتراض) لشيء ما لا يُدعى (كذباً) ، بل يدعى (افتراضاً). فإذا قال أحدهم : (افترض أنّ
