القصّة والمسرحية
القصة ـ في أوسع دلالاتها ـ : عمل فني قائم على بناء هندسي خاص ، (يصطنع) كاتبها واحداً أو جملة من الأحداث والمواقف والأبطال والبيئات ، عبر لغة (السرد) أو (الحوار) أو كليهما ، وتتضمّن (هدفاً) فكرياً محدّداً ، يُخضع الكاتب عناصره إلى دائرة ما هو (ممكن) أو (محتمل) من السلوك ، كما يمكن إخضاعها لِما هو (ممتنع) من السلوك ، إلاّ أنّه يتضمّن (رمزاً) يحوم على (الهدف) الفكري المشار إليه ، ... كل ذلك وفق عملية (اصطفاء) خاصة للعناصر المذكورة.
هذا النمط من العمل الفني قد يكون عملاً (مقروءاً) يطلق عليه مصطلح (القصة) ، بمختلف أشكالها : حكاية ، أقصوصة ، قصة قصيرة ، رواية ... إلخ. وقد يكون هذا العمل (مُشاهَداً) يطلق عليه مصطلح (المسرحية) ، مع ملاحظة الفوارق بينها وبين القصة ، من حيث بنائهما وعناصرهما ممّا لا يعنينا الآن أن نعرض لهما. يعنينا فقط أن نعرض الآن للتصوّر الإسلامي حيالهما ، بصفتهما نمطاً من الممارسة الفنية القائمة على ما هو (متخيّل) أو (وهمي) من السلوك ، وليس على ما هو عملي أو واقعي منه ، مع ملاحظة الفارق بين عمل تخيّلي مثل الشعر ، من حيث كونه يعتمد التخيّل بمثابة (عنصر) مساهِم في تجلية الدلالة ، بينا تعتمد القصة والتخيّل (أرضية) لها وليس مجرّد عنصر. فضلاً عن أنّ التخيّل الشِعري هو إحداث علاقة بين الأشياء (عنصر الصورة) ، بينا تظلّ القصة (خَلقاً) لأشياء ، وليس لعلاقة بين أشياء ، ممّا يسوّغ طرح مثل هذا السؤال القائل :
(هل أنّ الإسلام يقرّ تعاملنا مع الظواهر (المختلفة) أساساً ، أم أنّ إقراره منحصر في إحداث (العلاقة) بين الظواهر ، كما هو شأن (الصورة الفنية) مثلاً؟
تاريخياً لم ينشط العمل القصصي (بشكليه : الروائي والمسرحي) في مناخ الرسالة الإسلامية ، ولا قبله أيضاً ...
ويحاول مؤرّخو الأدب أن يلتمسوا جملة من الأسباب الكامنة وراء ذلك ؛ مثل ذهاب البعض إلى أنّ الخيال العربي متّسم بالمحدودية بالقياس إلى غيره ، بصفة أنّ العمل القصصي قائم في أساسه على عملية تخيّل للأحداث والمواقف والأبطال والبيئات ، ممّا لا تسمح الصحراء القاحلة بتنشيطه في العمليات الذهنية.
