طبيعياً لا يعنينا أن نحدّد درجة الحظر التشريعي أو الجواز ، من حيث درجتهما (حرمة أو كراهة) و (وجوباً أو ندباً) ، بل يعنينا عرض التصوّر الإسلامي لمطلق الحظر أو الجواز ، وحتى ما يصطلح عليه ب ـ (المباح) ، نحاول النظر إليه ، بأنّه داخل في دائرة (التحفّظ) طالما نحرص على الالتزام بما هو (أفضل) من السلوك ، بحيث يتحوّل ما هو (مباح) إلى ما هو (مندوب) مادام ذلك مقترناً بما هو (أحبّ إلى الله تعالى).
المهم : هل أنّ نقل التجربة الجنسية من صعيد (الواقع) ـ حتى لو كان مشروعاً مثل الممارسات الزوجية ـ إلى صعيد (الفن) يلتئم مع الخط الإسلامي (بغضّ النظر عن كونه محرّماً ، أو مكروهاً ، أو حتى مباحاً)؟ ونجيب :
مادام الإسلام لا يسمح ـ أولاً ـ بأيّة ممارسة جنسية خارج أُطر الزواج ، حينئذٍ فأيّة ممارسة ، سواء أكانت نقلاً لتجربة مشروعة ، أم كانت مجرّد (غزل) مصطنع أم حقيقي ، تظلّ (محظورة) أيضاً دون أدنى شك.
لقد مَنعَنا الإسلام من النظر إلى (المرأة) ، ومنعنا من التحدّث معها إلاّ لضرورة ، ومنعنا (ممازحتها) ، ومنعنا من (التخيّل الجنسي) أي : أحلام اليقظة وما يتصل بها من الفاعليات الأخرى. كما منع المرأة بدورها من النظر إلى الرجل ، ومنعها من إظهار زينتها ... إلخ. مضافاً إلى ذلك ـ وهذا ما نود التأكيد عليه الآن ـ : قد منعها من نقل تجاربها الجنسية ـ بما يواكبها من ممارسات تخص الزوجين ـ إلى الآخرين ، مثلما منع الرجل من أن ينقل مفاتن المرأة إلى الآخرين ، حتى إنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : (مَن وصفَ امرأة فافتُتن بها ، لم يخرج من الدنيا إلاّ مغضوباً عليه ...).
والآن ماذا نستخلص من هذا النص؟
إنّ أبسط تأمّل في هذا الصدد يقتادنا إلى قناعة كاملة بأنّ الإثارة الجنسية ـ أيّاً كان شكلها ـ ينبغي (التحفّظ) حيالها ، إنّ الشاعر الذي (يتغزّل) بالمرأة ـ سواء أكانت زوجته ، أم كانت (مبهمة) لا يعرفها أحد ، أم كانت (وهمية) لا حقيقة لها ـ تظل موضع (إثارة) دون أدنى شك ، فالمشرّع الإسلامي عندما منعَ المرأة من أن تنقل لصاحبتها تجربتها مع الزوج ، أو عندما منعَ الرجل من أن يصف المرأة لأحد الرجال ـ كما هو صريح الرواية المتقدّمة ـ إنّما كان صريحاً في إدانة هذا العمل ، حتى إنّه وسمَ مثل هذا الشخص بأنّه (لم يخرج من الدنيا إلاّ مغضوباً عليه). حينئذٍ كيف يسمح الشاعر أو القاص لنفسه بأن ينقل (مفاتن المرأة) إلى القرّاء ، ثمّ لا نتوقّع إثارتهم ، ما هو الفارق بين رجل يصف مفاتن المرأة للآخرين بشكل عادي ، وبين نقله ذلك من خلال الفن؟
وممّا يزيد الأمر غرابة : أن نجد كُتّاباً إسلاميين ينقلون في قصصهم أو قصائدهم تجارب (الحبّ) تحت ستار مشروعيته ، أو حتى بصفته (مقدّمة) زواج مثلاً ، بل إنّ بعضهم يجعل (حبكة) القصة أو
