وهناك من النصوص الإسلامية ما يشير إلى أمثلة هذه الاستجابة الشاذّة للغناء ، أو ما يقترن بذلك من آثار نزعات وميول مرضية ، ومنها : ظاهرة (القسوة) ، وظاهرة (النفاق). وقد ورد عن الإمام الباقر والصادق والرضا عليهمالسلام في تفسيرهم للآية الكريمة : (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ) ، أنّهم عليهمالسلام قالوا : (منه الغناء) أي أنّ الغناء من اللهو الذي يضلّ عن سبيل الله. ، وتعرّضوا عليهمالسلام إلى كل من (اللهو) و (الغناء) ، مشيرين إلى كونهما يتسبّبان في إنماء النزعة العدوانية عند الشخصية ، حيث أشار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والصادقعليهالسلامإلى ظاهرتين من العدوان هما : القسوة ، والنفاق ، مثل قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : (ثلاثة يُقسين القلب : استماع اللهو ، ...) ، ومثل قول الصادق عليهالسلام : (استماع اللهو والغناء يُنبت النفاق كما يُنبت الماء الزرع) ، وورد أيضاً قوله عليهالسلام : (ضربُ العيدان يُنبت النفاق في القلب).
هذه النصوص الثلاثة تُفصح عن جملة من الحقائق النفسية متمثِّلة في أنّ كلاً من ممارسة الغناء والاستماع إليه ، أو ممارسة الصوت الخالص والاستماع إليه من خلال أدواته الموسيقية ، تستتلي الوقوع في براثن الانحراف النفسي والفكري متجسّداً في ظاهرتَي : (القسوة) ، و (النفاق).
إنّ معجم (علم النفس المرضي) ـ ومنه الأمراض السكوباثية ـ يشير بوضوح إلى خطورة (القسوة) عند الشخصية ، وما تفرزه من أنماط عدوانية في السلوك بالغة المدى. كما أنّ ظاهرة (النفاق) تجسّد بدورها واحداً من طوابع الشخصية (المنحرفة) المشار إليها ، حيث تتعامل بلغة (النفع الخالص) مع الآخرين ، وليس بلغة (الإنسان) في عاطفته التي تفرزه عن العضويات الأخرى ، حتى إنّ الإمام علياً عليهالسلام في تقسيمه المعروف للأمراض النفسية ، وصلتها بالانحراف الفكري (الكفر والنفاق) ، أرجعَ نصف السلوك المرضي إلى ظاهرة (النفاق) ، حيث أدرجَ ضمنها جملة من مفردات السلوك المنتسبة إليه.
إذاً ثمّة أسرار نفسية ـ وعضوية أيضاً ـ تظل على صلة بممارسة (الغناء) و (الموسيقى) فيما أشار المشرّع الإسلامي إلى ذلك كما لحظنا ، فضلاً عن إشارة الطّب الأرضي إليها أيضاً ، حيث ألمحَ الطب الجسمي إلى صلة ارتفاع الدم وانخفاضه بحدّة التشكيلات الصوتية وهدوئها ، كما ألمحَ الطب النفسي والعقلي إلى ظاهرة (الإعياء العصبي والنفسي) وصلته بالتشكيلات المذكورة ، ممّا يعني أنّ ممارسة (الغناء) و (الموسيقى) ، حيث خُيّل للبعض أنّهما يساهمان في تفجير المتعة للشخصية ، تظل على العكس ممّا هو متخيّل ، تماماً بمثل التصوّر الخاطئ للمخدّرات التي تحفر في أعصاب الشخصية آثاراً بالغة الضرر (نفسياً وعقلياً وجسمياً) ثمناً لمتعة عابرة.
المهم أنّ تنظيم الأصوات وفق مدّ وتفخيم وتقصير خاص (الغناء والموسيقى) ، يظل على صلة باستجابة عصبية شاذّة عبر عملية توريد المثير الصوتي وتصديره ، فيما تُخرج العملية المذكورة الإنسان عن نظامه العصبي الذي ركّبته السماء وفق طاقة محدّدة من الاستجابة العادية ، حيث يقتاد تجاوزها
