شعرياً لن تشمله ظاهرة (الغناء) ، إلاّ أنّ الظاهرة تقترب من تخوم الغناء. حينما نواجه نظام (النبر) وإخضاع وحداته الصوتية إلى تنظيم خاص ، يلعب فيه كل من (المدّ) و (التفخيم) و (التقصير) للأصوات دوراً كبيراً في تشكيل مصطلح (الغناء) ، حيث يمكن إخضاع القصيدة مثلاً ـ أو عدم إخضاعها ـ للدور المذكور ، وذلك حسب تقطيعنا الصوتي في القراءة.
والحقّ لا يمكننا أن نُقدّم للقارئ تحديداً خاصاً لعمليات (المدّ ، والتفخيم ، والتقصير) في الأصوات ، لكي نفرزها عن سواها من التنظيمات الصوتية التي تندرج ضمن الغناء
والسّر في ذلك يعود إلى طبيعة استجابتنا العصبية للصوت ، فالأعصاب (المورِدة) للمثير الصوتي و (المصدّرة) لذلك ، إنّما تحّددها استجابة غامضة يرافقها (شذوذ) ، أو حالة غير طبيعية يتحسّسها المستجيب ويميّزها عن غيرها من الاستجابة الطبيعية (السَّويَّة). من هنا تركَ المشرّع الإسلامي تحديد (الغناء) وأوكله إلينا ؛ بصفة أنّ عمليات (المدّ ، والتقصير ، والتفخيم) تندّ عن الوصف ، ولا يمكن إخضاعها لعمل تجريبي ، بل إنّه قدّم نماذج مألوفة جاء بعضها في سياق زمني خاص ، وبعضها مطلقاً ، فمثلاً تطالعنا بعض النصوص المأثورة عن أهل البيت عليهمالسلام فيما تمنع قراءة القرآن الكريم ب ـ (ألحان) غير العرب. ، ولكن ما هي ألحان العرب مثلاً؟ ذلك أمر لا يمكن تحديده تجريبي ، لكنّنا إذا عدنا إلى المؤرّخين لحظنا أنّهم يشيرون إلى أنّ (ألحاناً) شتّى دخلت البلاد الإسلامية بعد الفتح ، وإلى أنّها لم تنسجم مع الألحان المألوفة محلّياً ، وهو أمر لا يمكن معرفته إلاّ لِمن أُتيح له عصرئذٍ أن يخبر بنفسه الألحان (العربية) ويميّزها عن الألحان المألوفة.
وهناك نموذج آخر قدّمته نصوص التشريع وحكمت عليه بـ(التحريم) أيضاً ، ولكنّه غير مقترن بجهاز النطق ، بل بمجرّد (الصوت المنتظم) ، وهذا من نحو استخدام (الناي) مثلاً وسواه من أدوات (العزف) ، حيث جاءت مصطلحات : (المعزف) و (المزمار) و (العود) في لسان النصوص الإسلامية التي حرّمت استخدامها.
بالمقابل قدّمت النصوص الإسلامية بعض التشكيلات الصوتية (المباحة) ، بل (المندوبة) ، مثل (الترتيل) في القراءة والأذان ، و (الحدر) في الإقامة مثلاً.
إنّ نصوص التشريع الإسلامي ، حينما تُقدّم لنا نماذج من التشكيلات الصوتية المباحة والمندوبة والمحرّمة ، إنّما تترك لنا تحديد ذلك في ضوء معرفتنا بالاستجابة العصبية لصوت لا يُخرج الإنسان عن التوازن العصبي المألوف ، وهذا أمر يمكن فرزه بسهولة ، وإن كان (تجريبياً) ممتنعاً كل الامتناع.
ويمكننا مقارنة ذلك بحالة خاصة تنتابنا حينما نُغمر بفرح غير طبيعي عند سماعنا لنبأ سعيد ، أو رؤيتنا لجمال مدهش ، حيث نفقد توازننا الطبيعي ونسمح لخيالنا بممارسة خبرات ملتوية نستحضرها في الذهن ، متصلة بما هو مكبوت في أعماقنا ، بخاصة الخبرات الجنسية التي يرتبط بها الغناء بنحو لا نعيه شعورياً ، ممّا يُخرجنا من نطاق المشاعر الموضوعية.
