الشِعرُ والأُغنية
أشرنا إلى أنّ الشعر ـ تاريخياً ـ قد اقترن بظاهرة (الغناء) وغيره من الممارسات اللفظية والحركية التي رافقت الإنسان.
وبما أنّ المشرّع الإسلامي قد حكمَ على (الغناء) بالحرمة (وهي أعلى درجات الحظر) ، حينئذٍ يتعيّن علينا الوقوف عند هذه الظاهرة ومعالجتها تفصيلاً ، بخاصة أنّها تقترن ـ في تصوّر المنعزلين عن السماء ـ بإمتاع وتقبّل يسوِّغان مشروعية هذه الممارسة ، وتجاوز ذلك إلى الزعم بفائدتها الملحوظة مثلاً ...
طبيعياً ينبغي ملاحظة الفارق أولاً بين الشعر والغناء ، فبالرغم من أنّ كليهما يخضعان لتنظيم صوتي وفق (وحدات) خاصّة ، إلاّ أنّ عملية (التقطيع) للوحدات الصوتية المذكورة هي التي تفرز حدود كلّ منهما.
إنّ (الشعر) : تنظيم صوتي يتألّف من وحدات لا يخلو تنظيمها من أحد شكلين ، من الممكن أن يتمايزا إذا أخذنا بنظر الاعتبار بعض الفوارق بين الشعر العربي مثلاً وبين بعض أنماط الشعر الأُوربي ، وهذان الشكلان هما : (التفعيلة) و (المقطع) ، حيث يظلّ الأخير منهما جزء من التفعيلة ، كما هو مقرّر في المبادئ العروضية. ف ـ (المقطع) : عيّنة مفردة ، و (التفعيلة) : تركيب جملة من (المقاطع) ، فعبارة (مسترشد) مثلاً تقابِل بالرمز العروضي (مستفعلن) ، وإذا فككنا المركّب المذكور (مسترشد ـ مستفعلن) ورددناه إلى مجموعات جزئية ، حينئذٍ تكون الجزئيات ثلاثاً هي : (مس + تر + شد) حيث يقابلها الرمز العروضي (مس + تف + علن). أمّا إذا اتجهنا إلى العبارة النثرية مثلاً ، حينئذٍ بمقدورنا أيضاً أن نقسّمها إلى عدّة مقاطع دون أن نخضعها بالضرورة إلى نظام التفعيلة ، بل نخضعها إلى مجرّد (النَّبْر ـ المقطع) ، فعبارة (مستوح) مثلاً إذا فككناها إلى نظام (النبر) ، حينئذٍ تكون جزئياتها ثلاثاً هي : (مس + تو + ح). ويهمّنا من هذا أن نشير إلى أنّ كلاً من نظام (التفعيلة) و (النبر) ، إنّما يأخذان شكلاً شعرياً إذا أُتيح لهما أن يتكرّرا في (وحدات) صوتية (منتظمة) ، تتوالى وفق نسق هندسي واحد (كما هو نظام الشعر العمودي) ، أو نسق هندسي متفاوت (كما هو نظام الشعر الحرّ). بَيْد أنّ ما ينبغي لفت النظر إليه هو : أنّ مجرّد انتظام الصوت في (وحدات) خاصة
