وفي تصوّرنا أنّ هذه الأسباب مجتمعة ساهمت في ظاهرة (التحفّظ) الإسلامي حيال الشعر. بَيْد أنّ الأهم من ذلك هو : أنّ ارتكان الشعر أساساً إلى كونه استجابة (انفعالية) خارجة عن حدّ الاعتدال ؛ هو الأمر الذي يمكن أن نلتمسه تفسيراً للموقف الإسلامي (المتحفّظ) حيال الشعر.
إنّ تعامل أهل البيت عليهمالسلام في حقل (الفن التشريعي) ، أو في حقل الحياة العامة ، يقتادنا إلى القناعة بأنّ مباركتهم للشعر ، أو استشهادهم به ، أو حتى إنشادهم أحياناً ، يظلّ ناظراً إلى الشعر (ليس من حيث كونه فنّاً) ، بل من حيث كونه مجرّد أداة في التعبير عن الحقائق يتطلَّبها الموقف العابر ، وإلاّ متى كانت (الأراجيز) ـ في المعارك مثلاً ـ تتوفَّر على صياغة خاصة تتطلبها التقنية الفنية ومعاييرها التي يرسمها نقّاد الشعر عصرئذٍ. كما أنّ تعاملهم مع أكثر من شاعر ، كان متّسماً بعدم إكساب الصوت أو الصورة أهمية ذات بال ، بل إنّ أحد المواقف التي استشهد بها المعصوم عليهالسلامببيت شِعري ذات يوم لم يعنَ فيه بالوزن ، حملَ أحد الأشخاص على أن ينتقد المعصوم عليهالسلام ، فأجابه عليهالسلام بأنّه لا يعنيه (الوزن) ، بل تعنيه (الدلالة). كما أنّ تعقيباتهم على قصائد الشعراء كانت منحصرة في (الدلالة) ، حيث طالبوا بتغيير بعض الأفكار ، وطالبوا بإضافة أفكار أخرى ، دون أن يتعرّضوا للجانب الفني من ذلك.
إنّ أمثلة هذه المواقف من أهل البيت تُعدّ مؤشراً واضحاً إلى أنّ تمثّلهم بالأبيات أو استماعهم أو تقويمهم ، إنّما كان منصبّاً على القيَم الفكرية للشعر ، وليس على قِيَمه الجمالية : من بُعد عاطفي أو تخيّلي أو إيقاعي ، وهذا على العكس من عنايتهم عليهمالسلام بالصياغة النثرية ، بخاصة صياغة (الخطبة) ، حيث نلحظ الفارق الكبير بين (الخُطب) التي توفّر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أو الأئمة عليهمالسلام على صِناعتها ، وبين الشعر. إنّ أبسط مقارنة ـ على سبيل المثال ـ بين خُطب نهج البلاغة وبين الشعر الذي أشرنا إلى تمثّلاتهم عليهمالسلام به ، يدلّنا على مدى الفارقية الكبيرة بين نهج البلاغة من حيث قِيَمه الجمالية ، وبين الشعر المشار إليه في افتقاده للقيَم المذكورة.
على أنّ عدم توفّر المعصومين عليهمالسلام على كتابة الشعر ـ بالقياس إلى النثر الفني ـ ينبغي ألاّ نحصره في كون (النثر) أيسر توصيلاً إلى الأذهان فحسب ، بل نتجاوزه إلى أنّ الشعر ، بصفته عملية (انفعالية) لا تتسم مع النضج الإنساني ، هو المفسّر لغيابه عن ممارسات المعصوم عليهالسلام. وقد سبق أن أوضحنا عند حديثنا عن عنصرَي (التخيّل) أو (العاطفة) ، كيف أنّ عدم مراعاتهما ، من حيث الصلة ب ـ (الواقع) ، يفسد عمل الفن ، ونضيف الآن : أنّ التركيبة النفسية للشاعر ، وهو متميّز عن غيره بكونه يرث جهازاً فطرياً من الحسّ الإيقاعي يفتقده العادي من الناس ، مصحوبة عادة باستجابة خاصة ، هي : التعامل الإيقاعي والصوري مع الآخرين أيضاً ، وليس مع التجربة الشعرية فحسب ، ومثل هذا التعامل لا يتناسق مع ما ينبغي أن
