إنّ ما نعتزم توضيحه الآن هو أنّ الحركة (الإيقاعية) ـ بعامة ـ لا غبار عليها. كل ما في الأمر أنّ المشرّع الإسلامي أفرزَ نمطين منها : أحدهما يتصل بالاستجابة (السوية) للإيقاع ، والآخر يتَّصل بالاستجابة (الشاذّة) حياله ، فأقرّ النمط الأول منه وحرّم النمط الآخر.
إنّ قضية (الإيقاع) لا تنحصر في كونها مجرّد (تنظيم) صوتي ، بل في طريقة (التنظيم) ذاته ، من حيث صلتها بطبيعة استجابتنا العصبية حياله ، وفقاً لِما هو (سويّ) أو (شاذ) من الاستجابة ، وهو أمر نفصّل الحديث عنه عند معالجتنا لظاهرة (الأغنية) بعد قليل ، إلاّ أنّنا هنا نعتزم مجرّد الإشارة إلى (الإيقاع) من حيث ارتباط الشعر به ، مضافاً إلى ارتباطه بالعنصر (العاطفي) أيضاً ، حيث يظل (الإيقاع والانفعال) في مقدّمة هذا الضرب من الفن ، وهو أمر يستوقفنا لاستشفاف وجهة النظر الإسلامية حيال الفن المذكور.
من حيث البُعد التاريخي يبقى الشِعر ـ كما نعرف جميعاً ـ يحتلّ من آداب اللغة العربية مساحة كبيرة منه ، بل هو (ديوان) هذه اللغة وسجلّ تاريخها ، حتى إنّ القصيدة أو البيت ـ كما قيل ـ يُقعِد قبيلة ويقيم أخرى ، ويُغيّر شريحة من شرائح التاريخ أيضاً.
وجاء الإسلام فأقرّ هذا الشكل الفني ، بل شجّعه وثمّن مواقف الشعراء ، ووعَدَ بالثواب ، ومَنَحَ الهدايا ، وأشار إلى تأثيره السحري في النفوس ؛ ... بَيْد أنّ الملاحظ أنّ الإسلام ـ في الآن ذاته ـ وقف (متحفّظاً) حيال الشعر ، وهذا أمر يستوقف الباحث حقّا.
من الممكن أن يجيب البعض بسهولة : بأنّ الطائفة الأُولى من النصوص ، أو الأفعال المثمّنة للشِعر ، ناظرة إلى (الشِعر الملتزم) منه ، وأنّ الطائفة المانعة عنه ناظرة إلى الشعر المنحرف مثلاً. بَيْد أنّه يمكن القول بأنّ قضيَّتَي الالتزام أو الانحراف لا تنحصران في فنّ الشعر فحسب ، بل تنسحبان على مطلق الفنون (الخطبة ، الخاطرة ، المقالة ... إلخ) فلماذا يتجه المنع أو الندب إلى الشِعر فحسب؟
يضاف إلى ذلك : أنّ هناك طائفة ثالثة من النصوص (تتحفّظ) حتى حيال الشعر الملتزم إسلامياً ، حيث تمنع من إنشاده في أزمنة وأمكنة خاصة ، كما أنّ تنزّه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عن ذلك من خلال الآية الكريمة التي تقرّر بأنّه (لا ينبغي له) ، يعزِّز (التحفّظ) المذكور ؛ ممّا يعني أنّ هناك (سرّاً) وراء ممارسة الشعر مقترناً بما هو سلبي من السلوك ، المصاحب للممارسة المذكورة.
إنّ المعنيّين بشئون الفن والتفسير والفقه ، يحاولون تقديم أكثر من وجهة نظر في هذا الصدد ، فنجد مَن يذهب إلى (كراهة) الشعر جميعاً بين الأحاديث. ونجد مَن ينقل الظاهرة إلى إطارها التاريخي ، فيحدّد المنع بما اقترن في الشِعر من الرقص والغناء ونحوهما. ونجد مَن قَرَنه بالتصوّرات التي كانت تُغلِّف المجتمع الإسلامي عصرئذٍ ، في ذهابها إلى أنّ (جنِّيَّاً) يتكفّل بممارسة هذه المهمة على نحو ما هو مألوف في الأساطير الإغريقية عن (أبولو) مثلاً.
وفي هذا الاتجاه مَن يربط بين الكاهن والساحر والشاعر ... إلخ.
