الفنّ وأشكاله ...
الشِّعر :
تاريخياً يظلّ (الشِعر) أسبق الفنون اللفظية ظهوراً ، بصفته ـ من حيث الدلالة النفسية للسلوك البشري بعامّة ـ تعبيراً عن نظام عصبي قائم على الاستجابة (الموزونة) للظواهر ، فعملية (التنفّس) مثلاً ، و (المشي) ، وسائر النشاط الحركي ، تظل ذات بُعد (إيقاعي) ملحوظ ، لكل مَن حاولَ رصد السلوك الحركي للإنسان.
من هنا ، فإنّ المسوّغ إلى التماس تعبير عن حاجة ذات أصل (حيوي) ، يبرز قبل سواه من أشكال التعبير التي يَضْؤل ارتباطها بالأصول البيولوجية. ويقول بعض مؤرّخي الفن ـ عِبر محاولاتهم تحديد نشأة الشِعر ـ : إنّ أول عملية إيقاعية وجِدت لها تعبيراً حركياً في نشاط الإنسان ، هي : (الدَّبْكَة) ، ثمّ تطوّرت هذه العملية ـ وهي شاذّة في تصوّرنا الإسلامي ـ إلى نمط آخر من النشاط ـ وهذا أشدّ شذوذاً من سابقه ـ هو : الرقص.
وقد حاول المؤرّخون أن يربطوا بين شكلَي الإيقاع : (الوزن ، والقافية) ، وبين الأنماط (الحركية) ، التي سبقت ظاهرة الشِعر بأشكال متنوّعة من مختلف مراحل التاريخ.
إنّ أمثلة هذا التفسير من الممكن أن تتسم بالصواب ولو بالقدر الضئيل منه ، من حيث تحديدها لنشأة الشعر وجذوره الأُولى ، إلاّ أنّها مؤشر إلى كون (الإيقاع) قد أُسيء استخدامه حينما استُثمر في نشاط شاذ مثل : الدبكة ، أو الرقص. بَيْد أنّ أمثلة هذا التفسير التاريخي تبقى ـ من جانب ـ مرتبطة بالتفسير الأسطوري ل ـ (أصل الأنواع) وتطوّرها المزعوم ، حيث انسحب تفسير هؤلاء المؤرِّخين لأصل الإنسان على تفسيرهم لأصل (الفن) أيضاً ؛ وذلك من خلال إخضاعهم مختلف الفنون (من : شعر ، وخطابة ، ورواية ، ومسرحية ... إلخ) لنفس خطوات التطوّر الأسطوري.
والحقّ إنّنا لا نجد أنفسنا بحاجة إلى مناقشة أمثلة هذا التفسير الذي ابتُذل طوال ما يقرب من القرنين ، مادام الزمن قد تجاوزه ، ومادام أنصار النظرية المشار إليها يقرّون بكونها (مذهباً عقلياً) وليس ممارسة (تجريبية) ، ومادام ـ وهذا هو المعيار المهم ـ مضاداً للتصور الإسلامي حيال الأصل الإنساني والفني.
