القصار ، أو كانت (متنوّعة) تتضمّن عشرات الموضوعات المختلفة كما هو طابع السور الكبار ، حيث يخضع الموضوع الواحد لعملية (تنام) لجزئياته ، وحيث تخضع الموضوعات المتنوّعة لنفس (التنامي) ، بعد أن تكون هذه الموضوعات إمّا منصبّة في (محور) فكري واحد تحوم عليه ، أو مَحاوِر متنوّعة تتلاقى عندها ، أو تتقابل عندها ، لتشكل في النهاية خطوطاً متوازية أو متجانسة ، وبما أنّ هذه الدراسة خَصّصت الحقل الأخير منها لمعالجة النصوص الشرعية (ومنها : الجانب العماري للسورة أو الحديث) ، حينئذٍ نُحيل القارئ إلى ملاحظة الحقل المذكور.
بَيْد أنّ ما تجدر ملاحظته هنا أنّ عملية (البناء) الفني ، فضلاً عن أنّ مسوّغاتها الشرعية هي التي تفسّر لنا السرّ الكامن وراء مطالبة الكاتب الإسلامي بالتوفّر على هذا الجانب ، إلاّ أنّه ـ إلى جانب ذلك ـ يمكن التدليل فنياً على أهميته البناء ؛ من خلال إدراكنا بأنّ وظيفة العمل الفني هي إحداث الإثارة في النفوس بغية تعديل السلوك العبادي للشخصية ، حينئذٍ فإنّ استخدام أشدّ الوسائل عمقاً في التأثير يظلّ هو الهدف الذي يرصده الكاتب عادة. ومن البيّن أنّ الإدراك البشري (وهو ما فصّلتْ الحديث عنه إحدى مدارس علم النفس الحديث ـ الاتجاه ـ الشكلي) يستجيب فطرياً لـ(الكل) وليس لـ(الجزء) المنفصل عنه ، بمعنى أنّ استجابته للكل ، أو ميله إلى (تكملة) ذلك في حالة التفكّك أو الخلل ، تظلّ أشدّ تحقيقاً لعنصر (الإثارة) المطلوبة.
إنّ القارئ لأيّة سورة قرآنية يحسّ ، في حالة كونه جاداً ومتفاعلاً مع دلالاتها ، بأنّ أثراً معيّناً قد تركته السورة في مجملها ، دون أن يعي الأسرار الفنية وراء ذلك. علماً بأنّ (الأثر) المشار إليه يظل ـ في أحد مصاديقه أو في مقدّمتها ـ مرتبطاً بطبيعة (الهيكل) العام (الكلّي) ، بما تنتظمه من مواد وعناصر وطرائق تعبيرية تأخذ منحنيات الاستجابة البشرية بمختلف أشكالها بنظر الاعتبار ، وهو أمر لا يتحقَّق بنحوه المطلوب ، في حالة انفراط الأجزاء أو استقلالها ، بل في تواشجها بعضاً مع الآخر على النحو الذي تقدّمت الإشارة إليه.
