العنصرُ البنائي
إنّ كلاً من عناصر : (التخيّل) و (الانفعال) و (الإيقاع) ، لا يأخذ أهميته إلاّ من خلال انصبابه في هيكل موحّد ، تتلاحم أجزاؤه وتتفاعل بعضاً مع الآخر ، بحيث يمكن القول بأنّ : (الموضوع) ـ أو (الأفكار) الإسلامية المصاغة وفق عناصر التخيّل والانفعال والإيقاع ـ يبدأ من خط معيّن وينتهي إلى خط نهائي ، تتواشج جزئياته على نحو ما نلحظه في الخطوط الهندسية التي تنتظم عمارة فخمة تبتعث الدهشة بناءً وجماليّة.
إنّ المواد الأولية للعمارة تتمثَّل في (العناصر) المشار إليها ، مضافاً إلى عنصر (اللغة) التي أهملنا الحديث عنها ؛ نظراً لوضوحها في الأذهان من حيث كونها (الأداة) التي تتم من خلالها عملية (البناء) ، وهي أداة تعتمد الوضوح والإحكام والجمالية في صياغتها.
طبيعياً ينبغي أن نفرز بين نمطين من البناء : بناء الموضوع من حيث جزئياته (الفكرية) ، وبناء العناصر المشار إليها من حيث اندماجها وتوحّدها في الموضوع المذكور. فالموضوعات تتنامى أجزاؤها وتتلاقى بالنحو الذي تتنامى من خلاله عروق الشجر وأغصانه وأوراقه وثماره ، ثمّ تتلاقى وتتجانس ، وتتقابل فيما بينها عِبر عملية النمو من جانب ، وحصيلته من جانب آخر. كما أنّ عناصر : التخيّل والانفعال والإيقاع (تندمج) ضمن عمليّة النّمو المذكورة ، لتَهبها : (لوناً) و (حركة) و (رائحة) لا ينفصل أحدها عن الآخر ، كما لا تنفصل جميعاً عن أصولها المذكورة.
طبيعياً أيضاً : أنّ عمليات التنامي والتجانس والتقابل ، قد تخضع للزمن الموضوعي (أي التسلسل التاريخي للحَدث أو الموقف الذي يعالجه النصّ الفني) ، وقد تخضع للزمن النفسي (أي عمليات التداعي الذهني واستطراداته وتوجّهاته) ، حيث يفرض الموقف نمط النمو العضوي الذي يُنتجه الفنان من حيث كونه نموّاً تاريخياً أو نفسيا.
المهم أنّ مطالبة الملتزم الإسلامي بتحقيق هذه الوظيفة النمائية لعمله الفنّي ، إنّما تنطلق من طبيعة النصوص الشرعية التي روعيَ فيها جانب البناء العِمَاري بنحو ملحوظ ، وفي مقدّمتها نصوص القرآن الكريم. فالسِّور القرآنية جميعاً ـ بدءاً من أصغرها حجماً إلى أكبرها حجماً ـ ينتظم كلاً منها بناء خاص (بنمطيه الزمني والنفسي) ، سواء أكانت موضوعاتها (موحّدة) كما هو شأن غالبية السور
