في مجموع الكلمات. ونقصد ب ـ (التجانس) : تماثل الأصوات بين المجموع المشار إليه ، أي تماثل صوت الكلمة الواحدة مع الأخرى. وأمّا (التوازن) : فنقصد به خضوع الأصوات لنظام صوتي متكرّر موحّد ، مثل أوزان الشعر ، ومثل العبارة الخاضعة لنمط موزون. وهناك نمط رابع من (الإيقاع) يُطلق عليه في اللغة الفنية اسم (الإيقاع الداخلي) ، ويُقصد به تجانس الأصوات مع دلالة العبارة.
إنّ هذه الأشكال الأربعة من (الإيقاع) يمكن استخلاصها بوضوح من النصّ القرآني الكريم ، والنصوص الواردة عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام ، ومن ثمّ يمكن الإفادة منها في استخلاص مبادئ عامّة في التصوّر الإسلامي لظاهرة (الإيقاع) ، واستثمار ذلك في العمل الفنّي الإسلامي.
إنّ ما نستهدفه ـ في الحديث عن الإيقاع ـ هو : الإفادة من العنصر المذكور في إكساب العمل الفني بُعداً جمالياً يساهم في شدّ المتلقّي نحو هذا العمل. كلّ ما في الأمر أنّ استخدام هذا العنصر ينبغي أن يتمّ وفقاً للمزاج الذي يطبع عصر الفنان.
فالسجع ـ على سبيل المثال ـ لا يأتلف مع الحياة المعاصرة ، التي هَجرت ذلك التراث المسجوع الذي أفرزته القرون الغابرة مطبوعاً بسمة التكلّف ، وهي سمة فرضها انغلاق التيار الثقافي عصرئذٍ ، على الضدّ من العصر الحديث الذي ألِفَ مختلف التيارات ، ممّا جعلهُ يُؤثر التلقائية والسهولة والوضوح بدلاً من التكلّف والالتواء.
إنّ الكاتب الحديث قد يلجأ إلى العمارة المسجوعة ، إلاّ أنّ ذلك يتم في موقع أو موقعين من مساحة النص مثلاً ، مع انسيابية ملحوظة وإحكام في العبارة ... هذه الانسيابية ذاتها تنسحب على الأشكال والمستويات الإيقاعية الأخرى من حيث : (جرس) الكلمة ، و (تجانس) الأصوات ، و (توازن) الجُمل ، أو التعديلات ، أو الأسطر الشعرية.
المهم أنّ مراعاة المناخ الثقافي تفرض على الفنان الإسلامي أن ينتخب من الإيقاع ما يتوافق مع المناخ المذكور ، وهو أمر لعلّه يفسّر لنا سرّ التنوّع والتفاوت الملحوظَين في النصوص التشريعية ـ في مقدّمتها نصوص القرآن الكريم ـ حيث لا ينحصر عنصر الإيقاع في عبارات مسجوعة أو مرسلة ، بل يراوح بينهما حيناً ، ويؤثر أحدهما على الآخر حيناً آخر ، حسب ما يقتضيه السياق ، فضلاً عن أنّ التنوّع في ذلك يدع كلّ عصر يتجاذب فنياً مع النوع الإيقاعي الملائم له.
وإذا كان الإيقاع المتصل بما أسميناه ب ـ (التوازن) يخضع لنسبية العصر الذي ينتمي الفنان إليه ، مثل انتخابه للإيقاع العمودي أو الحرّ أو النثري (في مجال القصيدة) ، ومثل : انتخابه للإرسال أو السجع ، أو انتخابه للجملة المتوازنة مع أختها ، أو المتحرّرة من ذلك (في مجال النثر) ، إلاّ أنّ الأشكال الإيقاعية الأخرى تظل مطلقة غير خاضعة لنسبية العصر ؛ بصفة أنّ (جرس) الكلمة ، و (تجانس) الأصوات ، وتجاوب الدلالة الفكرية مع الإيقاع اللفظي لها (أي الإيقاع الداخلي) ، أولئك
