العنصرُ العاطفي
يُقصد بـ(العاطفة) ما يقابِل (الفكر) ، فالإدراك البشري يقوم على العنصرين المذكورَين أساساً ، كلّ ما في الأمر أنّ النسبة العاطفية ينبغي أن تأخذ حجماً صغيراً من مساحة الاستجابة البشرية للأشياء. فإذا تلقّينا نبأً سعيداً أو مؤلماً مثلاً ، ينبغي ألاّ نسمح للبُعد العاطفي أن يسيطر على استجابتنا ، وفقاً للآية الكريمة التي تطالب بألاّ نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما أتانا ...
طبيعياً أنّ العنصر (العاطفي) يفرض ضرورته في موقف مثل : عاطفة الأُبوّة والأمومة والبنوّة ونحوها ، حتى إنّ الأُم ـ على سبيل المثال ـ لو لم تتضخّم عاطفتها حيال طفلها لمَا أمكنَ أن تتحمّل متاعبه ... بَيْدَ أنّ ذلك كلّه ـ وفقاً للتصور الإسلامي ـ ينبغي ألاّ يتجاوز المنحني المتوسط للتعامل ، فالمشرِّع الإسلامي يطالب الأبوين ـ مثلاً ـ ألاّ يُضخِّموا عواطفهم حيال الأولاد إذا لم يفلحوا في تعديل سلوكهم ، مطالِباً إياهم أن يَكِلُوا أمرهم إلى الواقع. إنّ مثل هذه المطالبة بتوكيل أمر الأولاد إلى الله ، ولفت نظر الأبوين إلى أنّ سلوك أولادهم لو لم يكن مرضيّاً عند الله فلا حاجة إلى القلق حيالهم ، وإذا كانوا مرشّحين إلى أن يصبحوا أسوياء ذات يوم ، فإنّ أمرهم موكول إلى الله ... ففي الحالتين يطالب الشرع الإسلامي الأبوين بعدم تصعيد عاطفتهما حيال الأولاد ، مع أنّهم أشدّ المنبّهات إثارة لديهم ...
لقد طالبَ الله إبراهيم بأن يتخلّى عن أبيه ، وطالبَ نوحاً بأن يتخلّى عن ابنه ، وأن يتّجها بمحبّتهما إلى الله بدلاً من الابن والأب ، وهذا يعني أنّ التصعيد العاطفي بنَمطيه ـ المشروع وغير المشروع ـ محظور في التصوّر الإسلامي لعنصر (العاطفة) ، بل أشدّ المواقف إثارة ، وهو فقدان القريب أباً أم ابناً مثلاً ، يطالب المشرّع الإسلامي بعدم شقّ الجيب وخمش الوجه ، وحتى بعدم مجرّد ضرب اليد على الجسم مثلاً عند المصيبة ، وهو أمر يكشف بوضوح أنّ المبالغة العاطفية أمرٌ ـ كما أشرنا ـ محظور عند المشرّع الإسلامي ...
إذا أدركنا هذه الحقيقة ، عندئذٍ يمكننا أن نتعرّف حقيقة الاستجابة العاطفية حيال أشدّ المواقف إثارة ... أمّا لو نقلنا الحقيقة إلى الاستجابات العادية للأشياء ، لأمكننا ملاحظة أنّ الحظر العاطفي يأخذ شكلاً حادّاً عند المشرّع الإسلامي ، فهو يمنع الغضب والغيبة والعدوان عموماً بصفتها تعبيرات عاطفية ... كما يطالب بالعفو ، والإحسان ، والإنفاق ونحوها من الاستجابات التي
