إنّ (الصورة) قد تكون (مفردة) تتألّف من ظاهرتين يُجمع بينهما لإحداث ظاهرة ثالثة ، مثل صورة (الكفّار) وتشبيههم ب ـ (الأنعام) (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ). وقد تكون (متعددة) تتألّف من مجموعة (صور) ، مثل : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) ... إلخ ، فهنا مجموعة من الصور (المفردة) : (النور والمشكاة) ، (المصباح والزجاجة) ، (الزجاجة والكوكب الدرّي) ... إلخ ، إلاّ أنّ مجموع الصور يؤلِّف صورة واحدة.
والمهم : أنّ السياق هو الذي يحدّد نمط الصورة وكونها مفردة أو متعددة ، كمثال الكفّار وتشبيههم بالأنعام ، حيث إنّ الهدف هو إبراز التماثل بين الطرفين من خلال فقدان التميّز بينهما ، وحينئذٍ يكفي اقتناص بُعد واحد يشتركان فيه. والأمر كذلك بالنسبة لتشبيه الحور ـ مثلاً ـ باللؤلؤ أو الياقوت ونحوهما ؛ حيث إنّ الهدف هو إبراز البُعد الجمالي للحور. أمّا حين يستدعي الموقف تفصيلاً للشيء ، فحينئذٍ يجيء المسوّغ الفني لتعدّد الصور ، مثل الصورة المتعدّدة للنور ؛ حيث إنّ إبراز المعطيات المتنوّعة للنور وتعدّد أبعاده يفرض صوراً متعدّدة. والأمر كذلك بالنسبة لنماذج أخرى تتعدّد صورها ، مثل : قضية (الإنفاق) ، حيث يُشبّه النص الإنفاق بالحبّة ، الحبّة تنبت سبع سنابل ، السنبلة تحمل مئة حبّة ، ومثل : تشبيه قساوة اليهودي بالحجر ، وأنّه أشدّ قسوة ، وأنّ الحجر تتفجّر منه الأنهار ... إلخ ، فالإنفاق بصفته يستتبع تعويضاً دنيوياً وأخروياً من حيث مضاعفة ذلك ؛ فإنّ المضاعفة حينئذٍ تستدعي صوراً متعدّدة تتناسب مع عملية المضاعفة.
إذاً : السياق أو الموقف هو الذي يحدّد نمط الصورة ، سواء أكانت مفردة أم متعددة ، وسواء أكانت متداخلة أو متتابعة ، أو غير ذلك من أشكال التركيب الصوري الذي فصّلنا الحديث عن مستوياته في الحقل الأخير من هذه الدراسة ، ونعني به الحقل المتصل بالفن التشريعي ، حيث يحسن بالفنان الإسلامي الوقوف على المستويات المذكورة ؛ للإفادة منها في كتابة الفنّ الإسلامي الملتزم ، وجعلها مبادئ ومعايير عامة لعنصر الصورة وطرائف صياغتها.
* * *
إنّ عنصر (الصورة) ـ بنحوها المتقدّم ـ يُستخدم عادة في العمل الشعري أو الخاطرة ونحوهما ، وتضْؤُل نسبته أو تنعدم في الأعمال القصصية والمسرحية ، حيث يُعوّض عنها بعنصر مباشر هو ما يمكن تسميته باللَقطة ، أو المرأى ، أو المشهد ، ... والفارق بين الصورة غير المباشرة وبين الصورة المباشرة هي : أنّ الأُولى تعتمد عنصر الإحداث لعلاقة جديدة بين الأشياء مثل : (العلاقة بين الحور واللؤلؤ). أمّا الصورة المباشرة ، فهي تتحدّث عن الواقع مباشرة ، دون إحداث علاقة بين أطرافه ، فعندما يتحدّث النص القرآني عن أقوام نوح عليهالسلام ، وإلى أنّهم يضعون أصابعهم في آذانهم ، ويضعون ثيابهم على وجوههم عندما يواجهون نوحاً ... هذه الصورة (وضع الثياب على الوجه ، والأصابع في الأذان) ، لا تقوم بإحداث أيّة علاقة جديدة بين مفردات الواقع ، بل تنقل مفرداته بصورتها الواقعية ... والمهم ، ان نمط
