الإسلامية في تصورنا لعمليات الإدراك الذهني ، ومن خلال ركوننا ـ كما كرّرنا ـ إلى النصوص الفنية التي نجدها في نصوص القرآن والحديث.
إنّ أول ما ينبغي التأكيد عليه هو : أنّ اللجوء لعنصر (الصورة) يظلّ مجرّد (وسيلة) لتعميق الدلالة ؛ لذلك لا نجد أنفسنا ملزَمين بالانسياق حتى مع المفهومات الحديثة للصورة (فضلاً عن المفهومات البلاغية لها) ، بل ننطلق من الإدراك الإسلامي للظواهر ، حيث (يوظّف) كلّ شيء من أجل (الهدف) ؛ لذلك ليس ثَمّة معيار خاص لنجاح الصورة إلاّ بقدر ما تحقّق عنصر (الإثارة الفنية) ، أو ما أسميناه بتعميق الدلالة.
إنّ النقد الأدبي المعاصر يمتلك تصورات خاصة عن (الصورة) ، مثل كونها : تعتمد (البُعد النفسي) بدلاً من البُعد المادي مثلاً. (التشبيه) الذي يتضمّن طرفاه بُعداً (حسّياً) يُعدّ ـ في التصور النقدي الحديث ـ ظاهرة بدائية ؛ نظراً لأنّ البدائيين تبهرهم المظاهر الحسّية ويفتقرون إلى إدراك الدلالات المعنوية للشيء. من هنا ، فإنّ أحد طرَفي الصورة أو كليهما ، إذا بُدّل بما هو (نفسي) ، يجعلها أشدّ قرباً من النجاح. كما أنّ (الاستعارة) تُعدّ أشدّ نجاحاً من (التشبيه) ؛ لأنّها تَحذف (أداة التشبيه) البدائية. و (الكناية) تُعدّ أشدّ منهما نجاحاً ؛ لأنّها تحذف (ليس أداة التشبيه) فحسب ، بل حتى طرَفي الصورة ، وتتحوّل إلى (رمز) للشيء بدلاً من إدراك طرفين محدّدَين له. من هنا أيضاً يُعد (الرمز) أشدّ أشكال الصورة نجاحاً في العمل الفني في تصور النقد الأدبي الحديث.
أمّا إسلامياً ، فلا نجد أنفسنا ملزَمين بهذا التصوّر بقدر ما ينبغي أن نعتمد التصوّر الإسلامي للفن ، من خلال الوقوف على لغة القرآن والحديث من جانب ، والإفادة من المعرفة النفسية الحديثة من جانب آخر ، حيث إنّ المعرفة الأخيرة تحدّد لنا بوضوح : أنّ المهم هو تحقيق عنصر (الإثارة) بغضّ النظر عن بدائية الأداة الفنية أو حداثتها ، إذ مَ الفائدة من استخدام (الرموز) فحسب إذا كان استخدامها لا يحقق العنصر الإثاري ، كما أنّه مَ الفائدة من استخدام (البلاغة الموروثة) إذا كان استخدامها قاصراً عن تحقيق عنصر (الإثارة) الفنية؟!الفائدة تتمثَّل في الركون إلى استخدام أيّة (أداة) فنية لتعميق الدلالة ، وهو ما نلحظه بوضوح في لغة القرآن الكريم بخاصة ، حيث نظفر بحصيلة ضخمة من النماذج التي تعتمد اللغة البلاغية حيناً ، وتعتمد اللغة (الرمزية) حيناً آخر ، حسب ما يستدعيه السياق ، وهذا هو المعيار الإسلامي للفن فضلاً عن كونه يتّسق مع الإدراك العقلي السليم للظواهر.
وتأسيساً على ما تقدّم ، نحاول الآن الوقوف على الأشكال المختلفة لعنصر (الصورة) ، من خلال الوقوف على النص القرآني الكريم بُغية استخلاص المبادئ الفنية لها ، والإفادة منها في العمل الفني الإسلامي.
