نتحسّس نفسياً وجود صلة بين قساوة اليهودي والحجارة ، بينا لا وجود للنطفة حتى تتحسّس بوجود مثل هذه الصلة. إذاً في الحالتين : (حالة وجود الوعي عند الحجارة ، وحالة فقدانه) ، هناك (واقع نفسي) عند المتلقّي ، هو : تحسّسه بوجود التماثل بين طرَفي الصورة : (اليهودي ، والحجارة).
والأمر نفسه يمكننا أن ننقله إلى النمط الثالث من (الواقع الإسلامي) ، ونعني به (واقع الغيب). فالصور القرآنية التي ترتكن إلى الواقع الغيبي ، تبدو ـ في بعض مظاهرها ـ وكأنّها لا ترتكن إلى ما هو (حسّي) أو (نفسي) ، مثل : التشبيه الوارد عن شجرة الجحيم ، وكون طلعها (كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) ، فبالرغم من أنّ (الشياطين) ذات كيان (واقعي) ، إلاّ أنّ الكيان المذكور لم يشاهَد (حسياً) ، لكنّه (نفسياً) يخضع إلى (الواقع) الذهني ، بصفة أنّ المتلقّي يملك تصوراً ذهنياً عن الشياطين ، في صورة (الأشباح) التي نسجها في ذهنه ، وهو نسيج له (واقع غيبي) ما دامت الشخصية الإسلامية مؤمنة بالواقع المذكور ، لا أنّه واقع وهمي لا وجود له ألبتة.
إذاً : وللمرة الأخيرة ، ثَمَّة فارق كبير بين عناصر (التخيّل) من النصوص الإسلامية وبين النصوص الأرضية ، من حيث ركون الأُولى إلى واقع (حسّي) أو (نفسي) أو (غيبي) ، وركون الأخيرة إلى واقع (وهمي) لا أساس له في عالَم الحقائق المشار إليها ، وهو أمر يقتادنا إلى أن نكرّر ـ من جديد ـ ضرورة إفادة الفنان الإسلامي من هذا الجانب في استخدامه لعنصر (التخيّل) ، لا لكونه يُجسّد حقيقة فنية فحسب ، بل لكونه ينعكس أساساً على سلوك الشخصية الإسلامية أيضاً. ، فالشخصية ـ التي تتغذّى على التعامل مع (الوهم) ـ سوف ينعكس غذاؤها (الوهمي) المذكور على البناء النفسي العام لها ، وهو ما يتنافى مع مبادئ الإسلام التي نحرص على تحقيق أفضل صيَغها وفقاً للوظيفة العبادية التي خُلقنا من أجلها أساساً. ، ويمكن ـ كما أشرنا ـ للكاتب الإسلامي أن يقوم بعملية استقراء لجميع عناصر (التخيّل) في نصوص التشريع ؛ حتى يستخلص منها قاعدة فنية تميّزها عن قواعد الفن الأرضي ، حتى يتفرّد للإسلام اتجاهه الفنّي الخاصّ به في هذا الميدان.
