أول ما يطالعنا في هذه الخاطرة عنصر (التقابل) الذي يشكّل أحد مكوّنات (الصورة الفنية) ، كما يُطالعنا أحد أشكال الصورة متمثّلاً في (الرمز). ويمكننا ملاحظة هذين العنصرين في الفقرة التالية :
(وكان رأس ما عظم به في عيني : صغر الدنيا في عينه).
إنّ أهمية هذه الفقرة تتجسّد في انطوائها على الصورة الاستمرارية أو المركّبة ، أي تعاقب الصور فيها وتداخلها فيما بينها. فثَمَّة صورة هي (صغر الدنيا في عينه) تقابلها صورة (رأس ما عظم به في عيني). ونفس (التقابل) ـ بصورتيه : العظمة والصغر ـ يشكّل (صورة) لها استقلاليتها وإثارتها الفنية. مضافاً إلى ذلك ـ من حيث البناء الفني لمجموع الصور ـ أنّ استهلال الخاطرة بالصورة القائلة : كان من أعظم الناس في عيني. يجسّد تمهيداً ، أو موقفاً مُجملاً ، يتقدّم النصُّ بعد ذلك بتفصيله الذي اضطلعت به الصورتان المتقابلتان ، أي أنّ التعليل الفنّي للحقيقة القائلة بأنَّ الأخ المذكور كان من أعظم الناس في عينه ، إنما كان ـ في الدرجة الرئيسة ـ لصغر الدنيا في عين الأخ. بكلمة أخرى : جاء عنصر (التقابل) جواباً فنيّاً يفصّل (التمهيد) الذي استهلت به الخاطرة.
ولا يخفى مدى انطواء هذا النمط من (بناء الصور) وتداخلها وتواشجها العضوي ، الذي يُنمّي أفكار الخاطرة من خلال التمهيد وتفصيله ، لا يخفى ما لهذا النمط العماري من إثارة فنيّة قد يجهلها القارئ العابر ، إلاّ أن الناقد الذي يمتلك حسّاً تذوقياً ، يقدّر خطورة الإثارة التي يستجيب لها وفاقاً لمنطق البناء المذكور.
وإذا ذهبنا نتابع سائر مقاطع الخاطرة ، لحظنا أن عنصر الصورة المتمثل في (التقابل) ، يكاد يشكّل البطانة أو العصب الفنّي للخاطرة : فهناك (الصمت) يقابله (القول).
(كان أكثر دهره صامتاً ، فإذا قال ، بذّ القائلين).
وهناك (الاستماع) يقابله (القول) أيضاً :
(على أنْ يسمع أحرص منه على أن يقول).
وهناك (الفعل) يقابله (القول) أيضاً :
(لا يقول ما لا يفعل ، ويفعل ما لا يقول).
ولا نغفل أن (التقابل) الأخير ينطوي على عنصرين من التقابل : أحدهما : القول والفعل ، والآخر : (لا) و (و) (لا يقول ـ ويفعل) ، هذا إلى أن (تقابلاً) متكرراً أخذ موقعه العضوي من الخاطرة ، متمثَّلاً في (إذا غُلب على الكلام لم يُغلب على السكوت).
