إن هذا الحشد الضخم ، المتعاقب ، المتداخل ، المتكرر ، المتجانس : من (التقابل) بين (القول والفعل) ، وصياغته وفق منحنيات متعددة من الطرح ، يشكّل عملاً فنيّاً ضخماً له قدراته التوصيلية ، التي لا يستكنه قيمتها إِلاّ مَن خبر طرائق الاستجابة في السلوك البشري وتحديد مواطن الإثارة منها.
بَيْد إن أهم ما يلفت الانتباه في هذا الصدد ، هو : أن عنصر (التقابل) بشكله المتجانس (الصمت والقول والفعل) ـ حيث انصبّ هيكل الخاطرة على المفردات الثلاث المذكورة ـ إنما صيغ ببساطة ويسر وسهولة ، يظن القارئ من خلالها أنه حيال مجرد أحاديث عن مجالسة العلماء واختيار الصمت واقتران القول بالعمل ... لا أنَّه حيال شكل فنّيّ صيغ وفقاً لسمات خاصة ، لها أسرارُها في عملية التذوق وتعميق الدلالة التي يستهدفها الإمام علیهالسلام من الخاطرة المذكورة.
أخيراً ينبغي أن نعرف أن صياغة الأفكار المذكورة وفقاً لقيمٍ فنية خاصة ، إِنَّما توكّأت على عنصر (الفن) ، فلأن هذا الأخير يساهم في بلورة وتركيز (القيمة الفكرية) للخاطرة ، ممّا يعني أن (الأفكار) المستهدفة في الخاطرة ، ينبغي أن نتمثَّلها عملياً في سلوكنا اليومي ، مادام (الفن) مجرد وسيلة لمعرفة الوظيفة العبادية. إذن ، لنلخّص (أفكار) الخاطرة ، ونعرضها على واجهة أعمالنا التي نعتزم ممارستها من خلال الوظيفة العبادية.
وها هي الخاطرة تقول :
١ ـ لتكن الدنيا صغيرةً في عينك.
٢ ـ لا تشك ولا تتبرّم.
٣ ـ اختر الصمت على الكلام.
٤ ـ تكلّم بجدية وعلم إذا كان الأمر مستدعياً لذلك.
٥ ـ إذا ضمك مجلس العلم ، فاحرص على الاستماع لا الكلام.
٦ ـ لم تخسر شيئاً بسبب الصمت ، ولكنَّه قد تخسر شيئاً بسبب الكلام.
٧ ـ كن على العمل أحرص منك على القول.
٨ ـ مارس عملية (تأجيل) لشهواتك.
٩ ـ لا تعاتب أحداً وأنت تجد له موضعاً لإمكانية العذر.
أن هذه التوصيات التسع التي تضمنتها (الخاطرة) السريعة ، حينما نعرضها على اللغة النفسية التي اخترناها إلى جانب اللغة الفنية في دراستنا للفن التشريعي ، نجدها تتناول
