على ممارسة هذا اللون من الكتابة ، التي تحتل جانباً صغيراً من (أعمدة) الصحيفة أو المجلة. بَيْد أن هذا يشكّل مجرد باعث لانتشارها وليس لكاتبها بعامة ؛ ولذلك فلا يكاد يخلو عصر من عصور الأدب من أمثلة هذه (الخواطر) التي يمارسها الكتّاب قديماً وحديثاً.
المهم ، يعنينا أن نعرض بعض (النماذج) التي ألِفَها الأدب التشريعي في هذا الصدد.
ولنقرأ هذه الخاطرة السريعة للإمام الحسن علیهالسلام في وصف أخٍ صالحٍ له :
(كان من أعظم الناس في عيني. وكان رأس ما عظمَ به في عيني صغر الدنيا في عَينِه. كان لا يشتكي ولا يتبرّم. كان أكثر دهره صامتاً ، فإذا قال ، بذَّ القائلين. كان إذا جالس العلماء على أن يسمع أحرص منه على أن يقول ، وإذا غُلب على الكلام لم يُغلب على السكوت. لا يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول. وإذا عرض له أمران لا يدري أيّهما أقرب إلى ربّه ، نظر أقربهما إلى هواه فخالفه. لا يلوم أحداً على ما قد يقع العذر فيه).
إن هذه الخاطرة تشمل في واقعها مجموعة (أحاديث) نجدها منتثرةً هنا وهناك ، غير أن ما يميزها هو : تطبيق مضمونها الذي يُشكّل توصيات لسمات أخلاقية معيّنة ، خلعها الإمام الحسن علیهالسلام على أحد إخوانه. وقد اكتسبت طابعاً فنياً يميّزها عن مجرد الحديث ؛ نظراً لتمركزها حول شخص محدّد أملاه موقف عابر يتصل بالشخص المذكور ، فجاءت (خاطرة) تحوم على (سمات) لحظها الإمام علیهالسلام متوفّرة لدى الشخص.
ولعل أول ما يلفت انتباهنا من الخاطرة المذكورة ، هو (واقعيتها) أو (حقيقيتها) التي لا نألف مماثلاً لها في الأدب الأرضي. فالشعراء أو الكتّاب (في حقل المراثي أو المدائح ـ على سبيل المثال) لا يكادون يتناولون ميتاً بالرثاء ، أو حيّاً بالمدح ، إلاّ وتجد (المبالغة) المقيتة طابعاً لنتاجهم ، فالشمس والقمر ، والجبل والجو ، والبر والبحر والشجَر ، تصبح عرضة للكسوف والخسوف ، والزلزال والإعصار ، والخسف والجفاف والْيَبْس نتيجة لموت أحد الأشخاص ، أو أن كلاًّ من الظواهر الكونية المذكورة تقف منحسرةً أمام عظمة الشخص وسخائه مثلاً .... الخ ..
الإمام علیهالسلام لم يصُغْ أية حقيقة لدى الشخص المذكور ، خارجة عن سماته الموجودة فعلاً لديه ، فأشار إلى زهده وعدم شكواه ، وصمته وتسامحه ... ، دون أن يضيف إليها أو ينتقص منها شيئاً. كل ما في الأمر أن إشارته علیهالسلام للسمات المذكورة صيغت وفق لغة (فنية) تتطلّبها الحقيقة ذاتها من حيث انعكاساتها في ذهن الكاتب والمتلقّي ، وهذا ما يقودنا ـ ولو سريعاً ـ إلى توضيح بعض القيم الفنية للخاطرة المذكورة.
