ما يعنيني من أمر نفسي ...).
في هذا المقطع ، (يفصّل) الإمام علیهالسلام مُجمل (التمهيد) المتصل بإدبار العمر وسواه ، واصلاً بين شخصيته علیهالسلام وشخصيّة ولده ، من خلال الدافع (الأبوي) ، وهو بدوره يحوم على ما هو (خاص). بَيْد أنه علیهالسلام يواصل في المقطع الثالث حديثه عن ظواهر عامة ، بالرغم من أنها موجَّهة إلى ولده عليهالسلام ، لكنّها تحوم على تفصيلات أكثر تنوّعاً : (احي قلبك بالموعظة ، وموّته بالزهد ، وقوّه باليقين ، ونوّره بالحكمة ، وذلّله بذكر الموت ، وقرّره بالفناء ، وبصّره فجائع الدنيا ، وحذّره صولة الدهر ...).
فالملاحظ أن المقطع الثالث جاء (تنميةً عضوية) ، أيّ : تطويراً لأفكار بدأت في المقطع الأوّل بمطلق (فناء العمر) ، وأُضيفَ إليها في المقطع الثاني الوصل بين شخصية الأب والابن من حيث انعكاسات (الفناء) المذكور. ثم جاء المقطع الثالث ليُفصّل الحديث عن (الفناء) وارتباطه بنمط السلوك ، الذي ينبغي أن تختّطه الشخصية في تعاملها مع ظواهر الحياة المفضية إلى (الفناء). ثم تتوالى المقاطع واحداً بعد الآخر لتتحدّث عن تجارب الحياة والعمر ، وصلة ذلك بمحدِّدات السلوك الذي طالب الإمام علیهالسلام بممارسته. كلّ أولئك يتمّ وفق نماءٍ وتطويرٍ فنّي لأفكار الوصية التي تتواصل أجزاؤها وتتلاحم بعضاً بالآخر ؛ ممّا يكسب النصّ جماليةً فائقة في الهيكل الهندسي له.
وإذا تركنا السمة الفنية المتصلة ب ـ (البناء العماري) للنص ، إلى سائر أدوات الفنّ الأخرى ، ومنها : عنصر (الصورة) ، لأمكننا ملاحظة هذا العنصر بنحوٍ يساهم ـ من خلاله ـ ببلورة المفهومات التي طرحها الإمام علیهالسلام عن الحياة وتجربة العمر والفناء ... وما إليها من الموضوعات التي وقفنا عليها في المقاطع المتقدّمة.
من ذلك مثلاً : رسمه (ع) للقلب عملياتٍ خاصة ، هي : الإحياء ، والأمانة ، والقوّة ، والتنوير ، والتذليل ، والتبصير ، والتحذير. وهذه الرسوم ليست مجرّد عرض عابر ، بقدر ما تشكّل (صوراً فنيّة) ، بالرغم من أنها لم تأخذ شكل الصورة التركيبية ذات البُعد (الرمزي) المكثَّف ، بل أخذت شكلاً مألوفاً سهلاً ، إلاّ أنها خضعت لمبدأ فنّي هو : (التضاد) و (التماثل). (فالتضاد من خلال التماثل) يشكِّل ـ في لغة النقد الفنّي ـ واحداً من أشكال الصياغة المعاصرة لأشكال الفن. (التضاد) هنا بين (إحياء) القلب و (إماتته) ، ولكن من خلال (التشابه) الذي يجسّد مفهوم (المعرفة) العبادية. كما أن (التباين) : من (تقوية) و (تنوير) و (تذليل) ، من خلال (التشابه) المذكور ، يجسّد نفس الفاعليّة الفنيّة
