آخر هو :
ما هي إمكانات (الفن) في تحقيق المهمة العبادية التي خلقتنا السماء من أجلها؟ هل يمتلك (الفن) قدرات توصيلية ذات بال ، بحيث يحقّق تأثيره المطلوب في الأعماق؟ وما هي نسبة ذلك؟إنّه من الممكن أن يُقلّل البعض من أهمية الفن حتى يصل الأمر إلى تجاهله تماماً ، كما قد يبالغ في إكسابه أهمية كبيرة حتى أنّه ليغامر بالقول إلى : أنّ الفن يستطيع أن يغيّر وجه التاريخ مثلاً.
إنّ كلاً من النظرتين : (إهمال الفن ، أو المبالغة في أهميته) ، قد يشكلان تفريطاً وإفراطاً إذا أخذناهما في نطاق الحياة العامة ، لكنّهما قد يتّسمان بالصواب في ظل بعض الشروط الخاضعة لنسبية الزمان والمكان والجنس ونحو ذلك. بَيْدَ أنّ القول بأنّ ل ـ (الفن) أهميته الخاصة ـ كما أشرنا إلى ذلك في الحقل الأول ـ في تعميق الهدف أو الدلالة التي نستهدف توصيلها إلى الآخرين ... مثل هذا القول يظلّ صائباً دون أدنى شك ، إلاّ أنّ أول ما ينبغي طرحه (في الإجابة على أهمية الفنّ) هو : هل أنّ الفن إنّما اكتسبَ أهميته لمجرّد كونه يعبّر (بصدق) عن الحقائق الإسلامية مثلاً ، أم لكونه يعبّر عن الحقائق المذكورة وفق لغة خاصة متميزة عن الكلام العلمي أو العادي؟
لا شك أنّ مجرّد كون الفن (ومنه الشِعر مثلاً) قد عبّر عن الحقائق الإسلامية ب ـ (صدق) ، هذا وحده كافٍ في تثمين القصيدة ، إلاّ أنّ القصيدة (في هذه الحالة) لا تختلف عن أيّ كلام عادي آخر له تأثيره في كسب الجمهور إلى الصف الإسلامي : كما لو هتفَ متظاهر بسقوط الطغاة ، أو كتبَ شعار على الجدران ، أو كُتبت مقالة افتتاحية في إحدى الصحف.
فالهتاف والشعار وافتتاحية الصحيفة ، لا تنطوي على أيّة خصائص فنية ، بل إنّها مجرّد تعبير عن واقعة ، أو موقف ، أو حقيقة من حقائق الحياة. والأمر نفسه فيما يتصل بالقصيدة التي تعبّر عن القضية الإسلامية من دون أن تتوفّر فيها خصائص الفن ، على نحو ما نلحظه مثلاً في ألفيّة ابن مالك ، ومنظومات (السبزواري) و (الأعسم) وغيرهم ، ممّن شرحوا بعض الحقائق المتصلة بعلوم النحو والفلسفة وآداب المائدة. ففي هذه (المنظومات) تقرير لحقائق لا تملك من الفن إلاّ فضيلة الوزن والقافية ، إذ إنّ هدف الشخصيات المذكورة هو : تيسير حفظ هذه الحقائق ؛ لسببٍ واضح هو : أنّ الشِعر أيسر حفظاً من النثر ، وإلاّ فإنّهم يعرفون قبل غيرهم أنّ خصائص فن الشعر غائبة تماماً عن منظوماتهم ، بل إنّهم أساساً لا يعنيهم أيّ طابع فنّي بقدر ما يعنيهم أن يُيسّروا إيصال الحقائق إلى ذاكرة الحفّاظ.
إنّ إدراك مثل هذه الحقائق يدلّنا على أنّ القصيدة الخالية من خصائص الفن ، لا علاقة لها بوظيفة الشعر (من حيث كونه فنّاً) ، بل إنّها تعبير عادي عن القضية الإسلامية ، وحينئذٍ فإنّ تثمينها يقوم (ليس على أنّها فنّ) ، بل على أنّها مجرّد كلام لا يختلف عن الهتاف والشعار والمقالة الافتتاحية والمنظومة العلمية ، طالما تفتقد جميعاً أهم عناصر الفن الذي أشرنا إلى أنّ (التخيّل العاطفي) هو
