الآخرة في أعلى درجاته التي لا يمكن تحديدها ، بما يتطلّبه ـ مقابل ذلك ـ من (التنازل عن الإشباع) في الحياة الدنيا ... الإشباع هناك (في الجنة) يتناسب طردياً مع (التنازل) عنه هنا (في الدنيا) ، وهو أمرٌ حدَّدته البداية القصصية حينما استهلّت العرض الفني لبيئة الآخرة بهذا النحو : (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) ، فيما قلنا : أنَّ (الخوف) يعني : عدم الوقوع في المعصية ، وهو أمرٌ يتطلّب (التنازل) عن (الذات) بمختلف حاجاتها النفسية والحيوية.
٣ ـ العنصر الصوري
(الصورة) تُعدّ أبرز العناصر التي تشكِّل مفهوم (الفن) وتفصله عن لغة (العلم) ، على نحو ما تحدَّثنا مفصَّلاً في الحقل الأول من هذا الكتاب ، حيث أوضحنا بأنّ وظيفتها تتمثّل في إحداث علاقة جديدة بين الأشياء ؛ لتعميق الدلالة الفكرية التي يُستهدَف توصيلَها إلى المتلقِّي.
إنَّ ما ينبغي تأكيده هنا أنّ نجاح الصورة يتوقّف على توفّر عنصرين فيها ، هما : الأُلفة والطرافة. ويُقصد بالأُلفة أن تكون الصورة في أطرافها أو أحدها من الظواهر التي نخبرها في الحياة اليومية ، مثل (الجراد المنتشر) في الصورة القرآنية القائلة عن انبعاث البشر في اليوم الآخر : (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ) ، فانتشار الجراد من الظواهر التي نخبرها حسِّياً ولا نحتاج إلى أعمال الفكر في تشخيصها. وأما المقصود من (الطرافة) ، أن تجيء الصورة في تركيبتها العامة ذات جِدَّة لا أن تكون (مبتذلة) في الاستخدام. فالجراد المنتشر بالرغم من كونه (مألوفاً) في خبراتنا اليومية (وهو أحد طرفي الصورة) ، فإن المركب النهائي لهذا الطرف ـ وهو انتشار الجراد ـ وللطرف الآخر ـ وهو انبعاث الأجساد ـ يتميّز بكونه (طريفاً) ، لا ابتذال فيه من حيث الاستخدام الفني له. والأمر نفسه في صور من نحو : (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ) ، (إِ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ) ، (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ) ، (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) ، (يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) ، (عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) ... فالنخل والخشب واللؤلؤ واللحم والأقفال والأنعام تظل من الظواهر التي نألفها جميعاً ، كما أنها ـ في الآن ذاته ـ تكتسب طابع (الطرافة أو الجِدَّة) في المركبّ النهائي لها.
المهم أن النص القرآني يتميّز بهاتين السمتين في تركيب الصورة بالنحو الذي أشرنا إليه.
والآن إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الصورة الفنية تقوم على عنصرين أو طرفين ، ينتج من تفاعلهما مركبّ جديد ، وكون ذلك يحكمه طابعا الألفة والطرافة ؛ حينئذٍ تثار أمامنا (أداة)
