درجة منهم ، فهو : (الرفرف) الذي قد يكون قماشاً أو شيئاً آخر موسوم بطابع (الاخضرار) ، و (العبقري) الذي قد يكون بدوره فراشاً خَلعت القصةُ عليه طابع (الحُسن) ... والفارق بينهما (أي الموقعين) من الوضوح بمكان كبير. والملاحظ (من الزاوية الفنية في رسم البيئتين) أنَّ الأوصاف التي خُلعت على الفرش لدى الأبطال الأدنين ، هو : (المتعة الخارجية). حيث إنَّ الرفرف (خضر الألوان) والعبقري (حسان) الأشكال ، أي أنّ المشاهد يلحظ أشكالاً حسنة وألواناً خضراء ، وليس حيال بطائنها من وسائد وأقمشة كونها حريراً أو شيئاً آخر مثلاً. ومن الواضح (فنّياً) أنَّ رسم الفرش من داخله يكشف عن مظهره الخارجي ، فحين يكون الداخل من (استبرق) فإنّ (خارجُه) سيكون مصحوباً بترف أشدّ. أمّا حين يكتفي النص برسم (المظهر الخارجي) ، فإنَّ ذلك لا يكشف بالضرورة عن تماثله للمظهر الداخلي.
هنا نلفت الانتباه إلى خصيصة فنية جديدة في رسم هذا العنصر : (الفرش) ، فالملاحظ أنّ القصة القرآنية ـ من حيث (عمارتها) ـ جعلت لكل عنصر من عناصر الجنة مكاناً خاصاً به دون أن تُداخِل بينها ، في حين نلحظ أنَّ (إضافة) جديدة رسمها القصة لأبطال الموقع العلوي ، وهو : (جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ) ، فهذه السمة كان من المفروض (فنِّياً) أن ترسم مع العنصر الأول (الزرع) ، فلماذا رسمته في مكان يتصل بالفرش؟ الجواب ـ من الزاوية الفنية ـ هو : أنَّ القصة في صدد رسم امتياز جديد للأبطال العلويين ، من حيث جلوسهم ومستوياته المترفة التي تصل بين جلوسهم وتناولهم للفاكهة. إنَّ هؤلاء الأبطال ، تظل ثمار الجنة على مقربة من أفواههم (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ) ، ، في حين أنّ أبطال الدرجة الأدنى منهم لا يطبعهم مثل هذا (الترف) ، الذي تساوق فيه امتياز فُرُشهم مع طريقة تناولهم للفاكهة ، بحيث لا يكلّفون أنفسهم أدنى حركة (من فرشهم المذكورة) لتناول الطعام ، بل تتدلّى الفواكه عليهم وهم على وسائدهم ... إذن [وحتى الآن من سير البحث] ، أدركنا المبنى الهندسي الفائق في (تقطيع) القصة لشريحة تتصل بعنصر (الزرع) ، ونقلها إلى عنصر يتصل ب ـ (الفرش). العنصر الأخير من البيئة التي رسمت كلاً من موقعي الأبطال : الأعلى والأدنى درجة ، يتصل بـ(الحُور) ، فيما ورد رسم يتصل بكونهن مثل (الياقوت والمرجان) للأبطال العلويين ، فيما لم يرد ذلك في الرسم المتصل بالأبطال الأدنى درجة.
إنَّ أهمية السرد القصصي لموقعَي الجنّة اللذين وقفنا عندهما ، ليس هو مجرد الهيكل القصصي الذي لحظنا عمارته الفنية وطريقة التوزيع الهندسي لعناصرهما البيئية ، بل يتجاوزه إلى ذلك التلاحم العضوي بين (موقعَي) الجنة ، وإفادتنا ـ نحن القرَّاء ـ من الهيكل القصصي المذكور في تعديلنا لظواهر السلوك. فأدنى تأمّل لموقعَي الجنة ، وملاحظة مستويات (الترف) التي رسمتها القصة ، يُداعي بأذهاننا إلى الموازنة بين (الإشباع) في الحياة
