من الله ... إلاَّ أنَّها جميعاً (عُوتِبَ) عليها موسى عليهالسلام ، وهذه الأنماط من التّعرف على ظاهرة (الخوف) ليست أمراً سهلاً ، بقدر ما تتطلّب تركيزاً من القارئ لمعرفة ما إذا كانت أمثلة الخوف المتقدّم أمراً طبيعياً لا غبار عليه : كل ما في الأمر أن القضية تتطلّب (تدخلاً) من الله في دفع البطل إلى الأمام. وهذا مِن نحو مَن يحرص على رضى الله ويتألّم من مشاهدته لمفارقات الآدميين ، بَيْد أنّ الله يقول له : لا تهلك نفسك أسىً على الظالمين ، بمعنى أنَّ الشخصية صدرت عن سلوك طبيعي ، وأنَّ الله يوجّهه إلى ممارسة تحرك آخر ، لا أنَّ السلوك (خطأ) في طبيعته ... والفارق كبير بين التصوّرين. على أيَّة حال ، إنَّ (الحوار) تكفّل بإبراز أمثلة هذه الاستجابات التي لحظناها عند موسى ، وإمكان إفادتنا من التعرّف عليها في صياغة سلوكنا العبادي. والأَهم من ذلك أنَّ (الحوار) مع (الله) ـ وليس الحوار بين الآدميين أنفسهم ـ هو الذي تكفّل بتحديد الظواهر التي وقفنا عليها ، بصفة أنَّ التحاور مع (الله) يحسم الأمور ، ويقطع على القارئ أي تشكيكٍ في استكناه حقائق الأمور.
وأمَّا القسم الآخر من (الحوار) ، بنمطيه : الانفرادي الذي يوجِّهه الله إلى العبد ، أو العبد في توجِّهه نحو الله ... هذا القسم من الحوار تتطلّبه مواقف معينة لا حاجة فيها إلى (تبادل) الكلام بقدر ما يتطلّب الموقف إجابة الطلب أو توجيه الأمر ، وهذا مثل قصة ذي النون في طلبه من الله تخليصه من الغم : (فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) ، حيث اكتفى النص ب ـ (السرد) ، وهو (استجبنا) ، بدلاً من مخاطبة ذي النون ... وهذا فيما يتصل بتوجه العبد إلى الله. أمَّا فيما يتَّصل بالأمر من الله إلى العبد ، فمثاله قصة إبراهيم مع ولده في قضية الذبح ، حيث وجّه الله (الكلام) إلى إبراهيم : (وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ...) حيث تمت الحكاية دون أن تتطلّب (جواباً) من إبراهيم.
وواضح أنَّ ذا النون طلب من الله تخليصه من الغم ، فيما لا حاجة إلى توجيه الرد عليه بقدر ما يتحقق الأمر في (الاستجابة) ؛ ولذلك تكفّل السرد بهذا الأمر (فَاسْتَجَبْنَا) ، كما أنَّ إبراهيم عليهالسلام عندما طلب منه الله أن يكفّ عن الذبح ، امتثل الأمر دون أن تكون ثمَّة حاجة إلى الكلام.
إذن : في (الحوار الغيبي) بأشكاله الثلاثة ، لحظنا المسوّغات الفنية لصياغتها بذلك النحو الذي يتميّز عن أشكال الحوار الأخرى التي وقفنا عليها سابقاً.
وهناك شكل (حواري) يتصل بهذا الجانب ، وهو :
الحوار الملائكي :
وهذا يتم بين طرف ملائكي وطرف آدمي ، مثل : محاورة الملائكة لزكريَّا : (فَنَادَتْهُ
