قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ...). طبيعياً كان من الممكن أن تتحدَّث القصة عن موسى عليهالسلام على نحو السرد ، كأنّ تقول : لقد أوحينا إلى موسى بالذهاب إلى فرعون ، ومعه آيتا العصا واليد ... إلخ. بَيْد أنّ (الحوار) هنا ينطوي على وظائف فنية في غاية الخطورة : ليس من حيث الإمتاع الجمالي فحسب ، بل من حيث إبراز طريقة التعامل بين الله والعبد من جانب ، وإبراز مختلف الاستجابات البشرية التي لا يمكن أن نتعرّف دقائقها إِلاَّ من خلال ملاحظتنا لتصرفات البطل نفسه. فمثلاً ، بالرغم من أنَّ موسى عليهالسلام يتحدّث مع الله ، إِلاَّ أنّ (الخوف) من الحيّة سيطر عليه. ترى هل تُريد القصة أن تقول لنا : إنّ الخوف من (الأخطار الطبيعية) أمرٌ في الصميم من تركيبة الآدميين؟ من الموكَّد أنَّ (الخوف) كذلك ، ولكن هل يعني ذلك أيضاً أنّ الانفعال المذكور يبقى محتفظاً بفاعليته حتى لو تعامل صاحبه من الله؟ قد يكون ذلك أيضاً صحيحاً ما دامت رواسب التجربة الطبيعية كامنة في الإنسان. بَيْد أنَّه من الممكن أيضاً أن نستخلص من أنَّ مثل هذه التجربة الانفعالية في الخوف ، ستكون مركز انطلاق لإزالة الخوف في وقائع لاحقة ... ولكن حتى الوقائع اللاحقة أثبتت أنَّ موسى عليهالسلام قد خامره (الخوف) ، ولكن ليس من مخاطر طبيعية ، بل من سيطرة كيد العدو ، وهذا ما فسّرته النصوص الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام من أنَّه لم يخف إلاَّ من أجل ما قلنا : (لا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى). هذا النمط من (الخوف) ـ أيضاً ـ كشفه (الحوار) بنحو أوضح مشاعر موسى. وبالرغم من أنّ موسى لم يعلن عن خوفه ب ـ (كلام) ، وأنَّ (السرد) هو الذي أوضح ذلك ، بَيْد أنَّ (الكلام) الموجّه من (الله) إلى موسى هو الذي تكفّل بتوضيح العملية المذكورة ، وهو نمط لا يُقرر (الخوف) من خلال مجرد (السرد) ، بل من خلال طرف آخر من (الحوار) هو الله تعالى ، بحيث نستكشف من توجيه الكلام إليه انفعاله المذكور ... وهذا نمط آخر من وظائف الحوار الكاشف عن أعماق الشخصية من خلال طرف مُحاور آخر.
وأيَّاً كان فإنَّ هدفنا من تقديم هذا النمط من الحوار ، أن نوضح مستوياته المختلفة في الكشف عن أعماق الشخصية ، فضلاً عن أنَّ أمثلة (الخوف) المتقدم تظل ـ في تصورنا ـ منطلقاً لتجارب لاحقة تتكرّر أيضاً ، حيث نلحظ في قسم آخر من القصة ذاتها ما يلي : (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ) ، فهذا التعجّل بدوره نمطٌ من (الخوف) ، ولكن من الله : من حيث تعطُّشه لرضى الله.
إذن ثلاثة أنماط من (الخوف) كشفها (الحوار) الحيّ في هذه القصة الطويلة الممتعة ذات الفصول المتعددة : بعضها يتصل بمخاطر طبيعية ، والآخر بكيد العدو ، والثالث بالخوف
