الجمهور أيضاً. مؤمن آل فرعون يحضر بدوره هذا الاجتماع بصفته أحد كبار موظَّفي الدولة. فرعون يفتتح الاجتماع مقترحاً على الحاضرين قتل موسى عليهالسلام. ويتدخّل هنا مؤمن آل فرعون مدلياً برأيه في هذا الصدد مشيراً إليهم بعدم قتله. لكنَّ فرعون يقاطعه مبيّناً أنّ الصواب هو قتل موسى. وهنا يعود المؤمن إلى الكلام ثانية ، ولكنّه يوجّه كلامه إلى الحاضرين ، مذكّراً إيّاهم بحوادث القرون الغابرة .. ويكفّ عن الكلام. ويعود فرعون من جديد متحدّثاً مع الحاضرين ـ لا مع البطل ـ وكأنَّه يريد التعريض بشخصية المؤمن وتخطئته ، أو السخرية منه ، ونقل الحديث إلى وجهة أخرى ، فيخاطب وزيره هامان قائلاً : (ابْنِ لِي صَرْحاً ...). لكن المؤمن ـ وهو يدرك سخف الحديث الذي شغل به فرعونُ أذهان الحاضرين ـ يقاطع كلامه قائلاً للقوم : (اتَّبِعُونِ ...) ، ثمَّ يستمر في كلامه ... ثمَّ ينفض الاجتماع بعد أن يختم المؤمن كلامه بالحديث عن اليوم الآخر ويذكِّرهم بأنَّهم سوف يندمون على ذلك ...
إنَّ القارئ ـ من خلال الحوار المتقدِّم ـ يقف ، مثلما قلنا ، وكأنَّه (مشاهِد) على (مسرح) الأحداث ، يتعرّف وجوه الأبطال وجمهورهم ومحاوراتهم وتعاملهم مع الأبطال الآخرين ومع الجمهور.
ومثلما قلنا فإنَّ هذا النمط من (الحوار المسرحي) له فاعليّته الكبيرة في إمتاع القارئ وشدّه إلى مشاهدة مسرح الأحداث مباشرة ، كاشفاً بنفسه عقلية فرعون وحاشيته بما يواكبها من سخف وسخرية ، مقابل ما يلحظه عند (مؤمن آل فرعون) من جدّية وتحرّق ومحبّة للقوم عبر نصائحه وتحذيره.
الحوار الغيبي :
نقصد (بالحوار الغيبي) : التحاور مع (الله) تعالى. وهو يأخذ نمطين من الرسم : أحدهما : بين الله والعبد من خلال (الطلب والإجابة) ، والآخر : (انفرادي). وهو على نمطين أيضاً : فقد يكون (أمراً) من الله ، أو يكون (دعاءً) من العبد. ولكل من الأنماط الثلاثة أهميتها الفنية في القصة.
من النمط الأول الحوار التالي بين الله وموسى (في سورة طه) :
قصة موسى :
(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ
