أمام وقائع المجلس الذي اجتمع فيه القوم ، أو أمام قاص يسرد لنا قصته من خلال الحوار الداخلي.
لقد كشف هذا الحوار عن (أحداث) و (مواقف) واجهها أبطال الجن فيما يتصل برسالة الإسلام ، بما صاحَبها من تغيير في سنن الكون ، ومنها : عدم السماح بهذا العنصر (الجان) من الصعود إلى السماء والاستماع إلى الملائكة ومشاهدة الشهب ، بعد أن كانت لهم حرية التنقّل قبل ذلك. ولا يخفى على القارئ أهمية مثل هذا الحوار الذي كشف عن وقائع خطيرة في الظاهرة الكونية ، واستخلاصه أهمية الرسالة الإسلامية في هذا الصدد ، ليس من خلال تقريرٍ عملي ، بل من خلال لغة فنّية يحدِّثنا أبطال الجن بأنفسهم عن الوقائع المذكورة.
القارئ مدعوّ للمرة الجديدة أن يتابع حيوية مثل هذا الحوار الجماعي ، وأهميته في نقل الحقائق الخطيرة من خلال لغة مُمتعة يحياها القارئ وكأنَّه واحد من الحاضرين.
الحوار المسرحي :
هناك نمط من (الحوار) القصصي المتميّز بكونه (أُحادي الجانب) أيضاً ، لكنَّه لا يتحدَّد في (مجلس) خاص يضم الأبطال ، بل يتم في ساحات متعددة ، كل ساحة منها تضم أبطالاً يتحاورون فيما بينهم ، أو يحاضر فيها أحد الأبطال أمام الجمهور. وأهمية هذا الحوار تتمثَّل أيضاً في كونها تدع القارئ وكأنَّه (مُشاهد) يقف على تحرُّكات الأبطال ، ويستمع إلى مقرّراتهم وخطاباتهم أمام الجمهور. وأوضح نموذج لهذا الحوار هو :
قصة مؤمن آل فرعون :
في هذه القصة التي سبق التلميح إليها ، يتدخّل بطل آل فرعون لإنقاذ موسى عليهالسلام بعد أن اقترح فرعون قتله ، ويتقدّم بنصائحه إلى القوم لحملهم على الإيمان بالله ... لقد بدأت القصة بهذا النحو : (قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ ... يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا) ، (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ ...) ، (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ...) ، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ً ...) ، (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ ...) الخ.
فالملاحظ هنا أنّ القصة عرضت لنا مؤمن آل فرعون : وقد تكلّم مرتين ، وعرضت لنا فرعون : وقد تكلّم مرتين أيضاً ... إلاَّ أنّ كلام كلٍ منهما غير موجّهٍ إلى الآخر ، بل إلى الجمهور ، حيث لا نجد في بعض الفقرات (علاقة) بين كلامي كلٍ منهما. ويمكننا أن نتصور الموقف على هذا النحو :
هناك قاعة أعدّت لعقد اجتماع يحضره فرعون وهامان وكبار الموظَّفين ، وربَّما جماعة من
