لوجه الله ... إلخ ، كما أنّهم لم يتحدّثوا بذلك فيما بينهم ، بل لم يصوغوا ذلك (كلاماً خفياً) مع أنفسهم ، بل كان ذلك مجرد (تفكير) يحيونه داخل أنفسهم ، أي أنَّه كان (نواياً) لا أكثر ، بحيث يُشبه تقديمك مساعدةً لأحد الأشخاص وأنت منفعلٌ بحالته الاقتصادية ، دون أن ينطق لسانك بكلمة ، ودون أن توجّه كلاماً خفياً إلى أعماقك. إنَّه يشبه الحقيقة التي يقرّرها بعض علماء النفس من أنّ (التفكير) هو (كلام غير منطوق) ، أي أنّك عندما تفكّر في شيءٍ ما ، إنّما (تتكلّم) دون أن تستخدم أجهزة النطق ... ويمكننا أن نطلق عليه اسم (الحوار التفكيري) أو (الحوار الذهني). وأهمية مثل هذا الحوار في القصة المذكورة تتمثَّل في لفتها الانتباه إلى ضرورة أن يتم العمل لوجه الله. ولكي تجسّد القصة هذا الهدف ؛ اتجهت إلى إبراز ذلك من خلال (التفكير بالشيء) ، أي : بنوايا الشخصية التي لا مناص من إبرازها في (حروفٍ مكتوبة) ؛ لكي يتعرّفها القارئ ويفيد منها في تعديل سلوكه.
إنّ النمط المتقدم من (الحوار الداخلي) يشكّل مجرد (نوايا) في ذهن البطل ، وهناك نمط من (الحوار الداخلي) يجسّد (كلاماً موجهاً إلى داخل النفس) ، وهذا ما يمكن ملاحظته في قصة (صاحب الجنتين) ، الذي قال بعد أن أُبيدت مزرعته : (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) ، حيث قلب أكفّه وخاطب نفسه قائلاً : (يَا لَيْتَنِي ...). ومثله الكلام الذي وجهه (هابيل) إلى نفسه عندما أراد أن يواري أخاه : (قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ ...).
ففي هذين النموذجين (كلام) خفيّ يوجِّهه الشخص إلى نفسه ، ولم يكن مجرد (تفكير) أو (نوايا) أو عمليات ذهنية أخرى.
الحوار المزدوج :
هناك نمط من الحوار الحيّ يتمثّل في : التحاور مع الله ، ومع الآخرين ، في مسارٍ واحد من العرض القصصي. وأهمية هذا الحوار تتمثَّل في وقوفنا على طريقة البطل في أداء وظيفته التي أوكلتها السماء إليه ، بحيث يفيد القارئ منها في طريقة تعامله مع الآخرين عبر أداء مهمَّته العبادية. وأوضح مثل لذلك هو :
قصة نوح :
في سورة نوح تبدأ القصة بهذا السرد أولاً : (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). بعد هذا السرد يبدأ (الحوار) : (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا
