أن يكون السائل الذي قال (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) غير منتبه إلى ملامحه الجسمية ، ومن الممكن أن يكون القائل بعد ذلك (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) ، قد انتبه إلى هذا الجانب ، وتحسّس بأن هناك مدة طويلة قطعاً ، لكنّه لم يستطع أن يقدّرها تحديداً ، ولذلك اقترح إرسال العملة النقدية والتحفّظ في شراء الطعام ؛ تعبيراً عن إحساسه الغامض بالزمن.
المهم ، أن القارئ يثير مثل هذا السؤال : ترى ماذا يمكننا أن نستخلص من هذا (الغموض) الذي رسمته القصة لأبطالها؟
في تصوّرنا أن القضية تظل متصلة برسم (الإعجاز) الذي الذي تستهدفه القصة ، من حيث ترسيخه في أحاسيس الأبطال ، بغية حملهم في نهاية المطاف إلى العودة للكهف ... وهذا ما حصل فعلاً ... غير أن هذا يظل واحداً من مجموعة أسباب فنية لابدّ من الوقوف عليها مادمنا في صدد تعبير معجزٍ وليس حيال مجرد قصة يكتبها بشر.
الملاحظ في شخصية سليمان ـ التي تقدّم الحديث عنها ـ أنها بالرغم من توفير قوى الجن والإنس والطير لها ، نجدها لم تُحط علماً بسفر الطائر الذي توجّه إلى (سبأ) ، والملاحظ أيضاً أن موسى لم يُحط علماً بأسرار القتل والبناء والخرق ، والملاحظ في سائر القصص أمثلة هذه الأسرار التي تحتفظ بها السماء ولا تظهرها حتى للشخصيات المتقدمة ... فإذا نقلنا هذه القضية إلى أبطال (عاديين) مثل أصحاب الكهف ، للحظنا أن عدم رسمهم (أبطالاً مطلقين) ، أي لا يشوبهم نقص في المعلومات ، يظل محكوماً بالأولوية بالقياس إلى (الأنبياء). وهذا يعني أن القصة تستهدف تركيز مثل هذه المفاهيم ، ليس في أذهاننا فحسب ، بل في أذهان الأبطال أنفسهم ، أيّاً كانوا : أنبياء أم عاديين. إذن ، الهدف الأول من هذا الرسم هو : تحسيس الأبطال بقصورهم بشكل عام. ثانياً : أن نفس هذا (الغموض) يكشف عن جانبٍ من العمليات النفسية في السلوك الآدمي ، ونعني به : (التوتر) وضرورته في العمل العبادي ، من حيث كونه يُفضى إلى الوصول للحقيقة. فالكائن الآدمي ـ أيّاً كان ـ يظل عرضةً لصراع وتوترات شتَّى ، تتطلَّب منه أن يتجاوزها من جانب وأن يتحمَّلها من جانب آخر : اتساقاً مع طبيعة المهمة الخلافية في الأرض. فأبطال الكهف وهم يتجهون إلى (العزلة) ، قد لا يصاحبهم اطمئنان كامل بتوفر البيئة التي تضمن لهم طموحاتهم في هذا الصدد ، كما أنهم لا يعرفون مدى (العناية الإلهية) التي صاحبت دخولهم إلى الكهف من حسباننا أياهم أيقاظاً وهم رقود ، وتقليبهم ذات اليمين والشمال ، وتزاور الشمس عنهم ذات اليمين عند الطلوع ، وقرضهم ذات الشمال عند الغروب ... كل هذه المستويات من (العناية) ، من الممكن إلاَّ يكون أصحاب الكهف قد انتبهوا إليها ، وهو أمرٌ تُعلِن عنه محاوراتهم المذكورة ، ممّا يدفعهم ـ بعد معرفة حقائق الأمور ـ إلى المزيد من (الشكر) لواهب النِعم الذي يغدقها
