قصة أصحاب الكهف :
في هذه القصة نجد أن أبطال الكهف قد افتقدوا (الإحساس بالزمن) تماماً. تُرى ما هو المُعطى الفني لمثل هذه الصياغة لعنصر الزمن وتضبيبه في إحساس الأبطال؟ لنقرأ أولاً :
(وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا ..).
لقد كشف هذا الحوار عن غموض المدة الزمنية لمكوثهم في الكهف ، فالحوار الأول (كَمْ لَبِثْتُمْ) لا يوحي بقصر المدة أو طولها. ثم جاء الحوار الثاني موحياً بأن المدة قصيرة جداً (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ). غير أن الحوار الثالث (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) جعل الإحساس بالزمن لدى الأبطال ملفَّعاً بالغموض من جديد ، حتى إن القصة (من الزاوية الفنية) قدّمت لنا ممارسة تطبيقية للأبطال ، تكشف عن (غموض) الزمن لديهم. وهذه الممارسة تتمثّل في الواقعة التالية : (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ...) ، فلو لم يكن الأمر غامضاً بالنسبة إليهم ، لتردّدوا في استخدام العملة النقدية التي كانت لديهم ، ولتردّدوا في الاقتراح بشراء الطعام الزكي ، بمعنى أنهم لا يزالون يعيشون الإحساس بزمنهم وبيئتهم التي عهدوها ، لأن إرسال العملة المألوفة يوحي بأن الزمن قصيرٌ في تصورهم ، كما أن شراء الطعام الزكي يقترن ببيئة (الكفر) التي تتطلّب بحثاً عن طعام زكيّ بالقياس إلى ركام الأطعمة غير الزكية.
إن هذا الغموض الزمني في أحاسيسهم يدعو إلى الدهشة في حقيقة الأمر. والسبب في ذلك يعود إلى أن القصة نفسها رسمت لنا شيئاً من ملامحهم حينما قالت : (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا). ولو رجعنا إلى النصوص المفسّرة ، لوجدنا أنها تتردّد بين الذهاب إلى أن سمة (الخوف) و (الفرار) منهم عائدة إلى ملامح الأبطال أنفسهم ، من حيث إطالة شعورهم وأظافرهم ، أو أنها عائدة إلى استيحاش الموقع ، أي : الكهف. واستبعد بعض المفسرين أن يكون الخوف والفرار ناتجاً من إطالة شعورهم وأظافرهم ؛ لأنه لو كان الأمر كذلك ، لما قالوا : لبثنا يوماً أو بعض يوم. غير أن هذا الاستنتاج يردّه : أن الفرار والخوف لو كان من جهة (الكهف) لقال النص (لوليت (منه) فراراً ولمُلئت (منه) رعباً). أما أن النص قال : (منهم) بدلاً من (منه) ، فهذا يعني أن الاستيحاش عائد إلى (الأبطال) وليس إلى (الكهف). ولكن هذا الاستنتاج الأخير يتنافى مع قولهم (لبثنا يوماً أو بعض يوم) ...! إذن : ماذا يمكن أن نستنتج من ذلك كله؟
لا شيء غير (الغموض) هو الذي يخامر (إحساس الأبطال بالزمن). طبيعياً من الممكن
