إن هذه النقلة الزمنية من سياق النصائح التي قدّمها البطل لقومه إلى موقع (الجنة) ، ومتابعته توجيه الكلام إلى قومه وهو في الجنة ، هذه النقلة الزمنية تظل واحداً من أسرار البناء الفني للقصة ينبغي أن نتابعها بعناية بالغة.
تُرى لماذا نقلت القصةُ هذا البطل من موقعه الدنيوي إلى موقعه الأخروي ، مع أنه لا يزال يتحدّث مع قومه؟ السرّ في ذلك يكمن في استهداف النص تنبيه القارئ إلى مفروضية الجزاء المترتّب على (الجهاد) في سبيل الله ، وهو : الجنة. كما يتمثّل في الكشف عن مصير البطل الذي جاء ينصح قومه باتباع الرسل. فالقصة لا تنقل لنا شيئاً عن مصير الأبطال الثلاثة الذين تقدّموه ، ولا تنقل لنا مصير البطل الرابع ، إنها تقول لنا : إن المرسلين الأربعة قد مارسوا وظيفتهم ، وإلى أن الجمهور قد (كذّبهم). ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ هذا ما لم تتحدّث القصةُ عنه. لكننا ـ نحن القرّاء ـ من خلال هذه النقلة التي لحظناها عن البطل الرابع ، استطعنا أن نستنتج بأن هذا البطل قد استشهد؛ وإلاَّ لم يُقل له : (ادْخُلِ الْجَنَّةَ). وفهمنا أن الرسل الثلاثة من الممكن أن يكونوا قد واجهوا نفس المصير. كما نستخلص قيمة فكرية تتصل بنقاء الشخصية المؤمنة ومحبّتها لقومها بالرغم من إيذائهم إيّاها ... فهذا البطل الذي استشُهد ، لابدّ أن يكون القوم قد أوجعوه ضرباً ، أو ركلوه بأرجلهم ـ كما تقول بعض النصوص المفسّرة ـ أو قتلوه مباشرةً. لكنه مع ذلك ، يواصل الإعلان عن محبته لقومه ، حيث قال (وهو في الجنة) : (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) إنه ، وهو في الجنة ، يتمنّى أن يعرف قومّه مصيرَه إلى الجنة وتكريمه من قِبَل الله تعالى. إذن : كم هو نقيّ في أعماقه؟ كم هو محبّ لقومه بالرغم من قتلهم إيّاه. إنه يتمنّى لو يرعوون ، لو يتّجهون إلى الإيمان ، ليظفروا بنفس الجنّة التي ظفر بها.
إن (طيّ) الزمن بهذا النحو الذي لحظناه ، قد تمّ وفق رسمٍ فنيّ بالغ المدى ، حيث نقلت القصةُ البطل إلى (الجنة) ، ثم عادت إلى الأرض من جديد لتقول لنا : (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ). كان من الممكن أن تقول لنا القصة : (إن البطل قتله القوم فاستحق بذلك الجنّة. وإن قومه قد أنزلنا عليهم العذاب فجعلناهم خامدين) ، لكن القصة سلكت منحىً فنياً بالغ الخطورة ، حينما تعاملت مع عنصر (الزمن) بهذا النحو الذي عَبَرَت به إلى (اليوم الآخر) ، وعادت به إلى الحياة الدنيا لتواصل بقية وقائع القصة ، محقّقة بذلك أكثر من هدف فنّي ، هو : استشهاد البطل ، استشهاد الرسل ، محبّته لقومه حتى وهو في الجنّة ، مصيره الحتمي إلى الجنة ، ثم : المصير الدنيوي للمكذّبين ، فضلاً عن مصيرهم الأخروي.
وإذا كانت هذه القصة تتعامل مع (طيّ) الزمان من خلال نقله من بيئة دنيوية إلى بيئة
