بإعطاء ذلك ، أي : أن القصة بإعطائها مثل هذا (الوعد) جعلت القارئ متطلعاً إلى معرفة السر ، ثم أرجأت ذلك حتى يتدرّب القارئ على الصبر حيال ذلك.
إنّ مثل هذه العمارية المُحكمة في القصة ، لا يكاد يدركها القارئ العابر الذي يقرأ مجرّد قصة يستمتع بمعلوماتها ويتحسّس جماليتها ، دون أن يدرك أسرار البناء القصصي المتسم بالإعجاز الفني ، الذي يجمع إلى جمالية العرض أسراراً تتصل بكل من أبطال القصة وقرّائها في عمليات (الاستجابة) البشرية التي تستهدفها القصة قبل كل شيء.
بعامة ، أن عناصر (المماطلة والتشويق والمباغتة) تظل متصلة بالبعد (الزمني) للقصة من حيث استباق الزمن وتمطيطه حيال القارئ ، كما أن (تقطيع) الزمان على نحو ما لحظناه في قصة طالوت مثلاً ، يظل متصلاً بالأسرار الكامنة وراء (بدايات) القصة ووسطها ونهايتها.
وهناك أسرار تتصل بطيّ الزمن وتضبيبه (أي جعله مبهماً) لدى البطل أو القارئ بحيث يساهم في جمالية البناء العماري للقصة ، وهو أمر نتناوله تحت عنوان :
الزمان النفسي :
الزمان النفسي ـ كما لحظنا ـ يعني : تقطيع سلسلة الزمن من مجاله الموضوعي ، وصياغته وفقاً (للمجال النفسي) الذي وقفنا على جانبٍ منه في انتقاء الحدث من وسطه أو نهايته ، وفي إرجاء المعلومات المتصلة به إلى زمان آخر. أما الآن فنتحدث عن (طيّ) الزمن وتضبيبه في ميدان العمارة القصصية.
فيما يتصل بطيّ الزمان ، يمكننا ملاحظة جملة من القصص التي تشدّد على هذا الجانب ، ومنه مثلاً :
قصة أصحاب القرية :
في سورة ياسين ، تواجهنا قصة أصحاب القرية التي جاءها المرسلون : (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ) ثم جاء بطلٌ رابع : (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ). هذا البطل بدأ بالنصيحة لقومه ، مشيراً إليهم بأن يتبعوا المرسلين الثلاثة. بَيْد أن القصة وهي تنقل لنا نصائح هذا الرجل لقومه ، إذا بها تنقلنا مباشرة من بيئة الحياة الدنيا إلى الجنة ، قائلة على لسان هذا البطل مايلي :
(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).
