(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ).
إن القصة تردم أية إمكانية للتعرّف حينما تقرّر : (قُل رَبّي أَعْلَمُ) ، ثم تجعل القارئ متشوقاً إلى المعرفة من جديد حينما تقرّر : (مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ). وبهذا النحو (من إرجاء المعلومات) تحقق القصة إمتاعاً جمالياً للقارئ لا مجال للتحدث عنه الآن بقدر ما نستهدف الإشارة إلى أنه نمط آخر يحتفظ بالسر دون أن يعلن عنه في نهاية القصة. وهناك نمط ثالثٍ يتراوح بين النمطين المذكورين ، وهو : تنبيه القارئ إلى وجود (سرٍّ) ما ، وتَعِدَه (فنِّياً) بالكشف عنه في نهاية القصة ، وهذا ما يتمثّل في قصة (موسى مع العالِم). فالقصة لا تكشف عن أسرار وخرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار إلاّ في ختام القصة ، لكنها تَعِد القارئ (بطريقة فنية) بأن (السر) سيتضح في نهاية ، وهذا ما يُفصح عنه (العالِم) في جوابه لموسى عندما طلب منه أن يتبعه :
(قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) ، أي : إن (العالِم) وعَدَ موسى (والقارئ أيضاً) بأن (يذكر) له أسرار الظواهر التي أراد أن يتعرّفها موسى عليهالسلام.
إذن : هناك ثلاثة أشكال من عنصر (المماطلة ـ إرجاء المعلومات) تستخدمها القصة القرآنية : أحدها : عدم الاحتفاظ بالسر الذي نتعامل به مع القارئ. والثاني : كشفه في نهاية القصة. والثالث : الإعلان عن كشفه فيما بعد. ولكل من هذه السمات أهميتها الجمالية في ميدان الاستجابة لدى القارئ. وواضح أن (إرجاء المعلومات) بعامة ، له أهميته في شدّ القارئ إلى متابعة القصة ، إِلاَّ أن تنويعه بالمستويات الثلاثة له أهميته (الفكرية) أيضاً. فعدم إعطاء المعلومات أساساً ـ مثل عدد أصحاب الكهف ـ لم يكن من الضرورة معرفته ، مادام المهم هو : اللجوء إلى الكهف ، وليس عدد الملتجئين إليه ، والإعلان عن إعطاء المعلومات فيما بعد ـ مثل أسرار خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار ـ له أهميته النفسية في صياغة السلوك الآدمي ، من خلال التدريب على الصبر وعدم التعجّل في استكناه أمور تأخذ سبيلها إلى الظهور في الوقت المناسب. وواضح أيضاً أن القصة سلكت منحىً بنائياً في غاية الخطورة ، عندما (جانست) بين كلّ من شخصية القصة (موسى) وبين (القارئ) ، فهي في الوقت الذي جعلت (القارئ) يستخلص من قصة موسى مع العالم أن الاصطبار على معرفة الأمور في الوقت المناسب هو السلوك الأمثل ، اتجهت القصةُ في الآن ذاته إلى (تدريب) القارئ (عملياً) على تطبيق هذا السلوك ، فجعلت القارئ يمارس بنفسه عملية (الاصطبار) على معرفة الأمور في وقتها المناسب ، متجسداً ذلك في عدم إعطائه المعلومات المتصلة بمعرفة أسرار القتل والبناء والخرق إلاَّ في آخر القصة : مع ملاحظة أن القصة وعدته
