(توقع) مضاد للتوقع السابق ، وهو : إمكانية غض النظر عن معاقبة إبراهيم ، وهذا ما يوحى به الحوار الدائر بينه وبين القوم.
(قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ).
إن هذا الحوار الحيّ المُمتع يفصح عن أن القوم أحسوا ببعض الخجل ، بل أحسوا بخجل كبير أمام أنفسهم حينما خاطبوها بأنها هي الظالمة ، وحينما خفضوا رؤوسهم من الخجل قائلين : (لَقَدْ عَلِمْتَ ـ يا إبراهيم ـ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ) ، أي أنهم اقرّوا بمهزلة آلهتهم ، وإلى أنها لا تملك فاعلية النطق ، وحينئذٍ (يتوقّع) القارئ أنهم سوف يتراجعون عن قرار الإدانة والمعاقبة.
هنا ينبغي أن ينتبه القارئ إلى جمالية الأداء القصصي من حيث إِثارته للقارئ وعدم رسوّه على قرار ثابت : فبينا (يتوقّع) إِدانة إبراهيم ، إِذا به (يتوقّع) الإفراج عنه. لكن ما أن يتوقّع (الإفراج) عن ذلك ، حتى يُصدم ب ـ (مباغتة) تضاد موقعه الأخير ، وترتد به إلى توقّعه السابق ، وهو : العقاب ، لكن ليس على نحو ما (توقّعه) من ضربٍ أو سجنٍ أو قتل اعتيادي ، بل ـ وهذا هو عنصر المباغتة ـ على نحو لم يدُر في خلده : (قَالُوا : حَرِّقُوهُ ...).
إذن : يُفاجَأ القارئ بـ(عقاب) غير متوقّع ، وهو : (الإحراق). جديداً ينبغي ـ من الزاوية الفنية ـ أن ننتبه إلى أهمية هذا التماوج بين توقّعات تتصاعد وتتهاوى من حين لآخر : توقّع بإنزال العقاب في (بداية) القصة ، توقع بإزالة العقاب في (وسط) القصة ، ثم (مباغتة) بإنزاله في لحظة (الإنارة) التي تنحدر القصة بعدها إلى نهايتها ؛ لأننا لحد الآن لم ننته من القصة ، فلا تزال تنتظرنا (مباغتة) من النمط غير المتوقع في نهاية القصة. قلنا : إن (المباغتة) قد تجيء مصحوبة بشيءٍ من الدهشة ، مثل العقاب بعد توقعنا بإزالته عبر مناقشة القوم لإبراهيم ، ثم قد تجيء بلا أن (نتوقع) حدوثها ، مثل مباغتتنا بإحراق إبراهيم بعد أن كنا نتوقع عقاباً مثل : السجن أو الإعدام : ولكن ليس (الإحراق).
والآن نواجه (مباغتةً) من قسم ثالث ، لا (يُتوقع) البتة ، ولم يدر في الحسبان أبداً ، ألا وهي : النهاية التي خُتمت بها القصة ، وهي تقول :
(يانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ).
هذه الواقعة ، تجسّد أعلى ما يمكن تصوره من معنى (المباغتة) ... فها هو إبراهيم مُلقىً في النار ، والنار ـ في حالاتها غير المصحوبة بالإعجاز ـ تبقى ناراً لا شيئاً آخر ، قد تنطفئ مثلاً ...
