واللفظ الثاني : «تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد» من غير لفظ الحصر.
اللفظ الثالث : «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد : مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيلياء» وإيلياء بيت المقدس.
وهذه الروايات ذكرها مسلم في فضل المدينة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وذكر قبل ذلك في سفر المرأة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى» وهذا بصيغة النهي والثلاثة الأول بصيغة الخبر وبصيغة النهي ، رواه الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد إبراهيم ومسجد محمد ومسجد بيت المقدس» وهذا اللفظ رواه ابن راهويه في مسنده من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
هذا ما يتعلق بلفظ الحديث وأما ما يتعلق بمعناه وما يدل عليه فاعلم أن الاستثناء في الحديث مفرغ كما هو واضح ولا بد فيه من تقدير ، وهو شيئان :
أحدهما : «لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاث» ولا بد من تقدير أحد هذين ليكون المستثنى مندرجا تحت المستثنى منه ، والتقدير الأول وهو «لا تشد الرحال إلى مسجد» أولى من التقدير الثاني وهو «لا تشد الرحال إلى مكان» لأنه على التقدير الأول جنس قريب لما فيه من قلة التخصيص ، لأن التخصيص على تقدير إضمار الأمكنة أكثر فيكون مرجوحا ، ولو خطر بالبال تقدير العموم في الحديث لكان خيالا فاسد (١) المسافة وللقرينة اللفظية فيه ولدخول التخصيص بالأدلة السمعية والعملية الكثيرة جدا ، أما سياقه فلأن الحديث إنما ورد لبيان شرف هذه المساجد الثلاثة (٢) وخيرتها على غيرها من المساجد كما مر من أنها مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولهذا تضاعف الأعمال فيها ما لا تضاعف في غيرها ، والمتكلمون على الحديث إنما يتكلمون في ذلك ونحوه من لزوم النذر المتعلق بها دون الزيارات ، ولهذا لما تكلم بعض المتأخرين على الحديث وأدرج ذكر الزيارة اعترض عليه في ذكر الزيارة وقيل : لم يرد الحديث لذلك وإنما ورد لبيان شرف هذه المساجد دون غيرها وهذا كاف في بطلان الاحتجاج بالحديث لمنع زيارة القبور والزيادة على ذلك إنما هو على وجه التنزل ، فمن احتج بالحديث لمنع الزيارة ينبغي أن لا يرسم في حزب
__________________
(١) قوله : فاسد المسافة ، ينبغي أن يكون فاسد المشاقة كما هو ظاهر ، اه مصححه.
(٢) صوابه وخيريتها كما لا يخفى ، اه مصححه.
