الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) [يونس : ٩٩] وهذا كقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) [يس : ٤٧] قالوا ذلك على سبيل التكذيب والاستهزاء ، لا على وجه الإيمان والاعتراف بأن الله قادر أن يطعمهم. فلذلك قالوا : ما في تلك الآية وجعلوه لهم حجة ، فجعله كذبا وأن حجتهم باطلة ، فصحّ ما قلناه.
فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)) [الذّاريات : ٥٦] فالجواب من وجهين :
أحدهما : أنه أراد بعض الجن والإنس. الذي يدل على صحة ذلك أن كثيرا من الجن والإنس يموت قبل أن يبلغ حد التكليف والعبادة ، وصار هذا كقوله تعالى لأصحاب نبيه صلىاللهعليهوسلم : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ) [الفتح : ٢٧] وأراد البعض لا الكل ، لأن منهم من مات قبل الدخول وقتل قبل الدخول. الذي يقوي ذلك ويصححه : أنه قال في آية أخرى : (فَرِيقاً هَدى) [الأعراف : ٣٠] يعني إلى الطاعة (وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) [الأعراف : ٣٠] يعني عن العبادة والطاعة.
ويدل عليه أيضا قوله تعالى : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [الأعراف : ١٧٩] وهم الذين لم يرد أن يطيعوه ، فأعلم ذلك.
والجواب الثاني : أن المراد بذلك أن لا يقروا بالعبادة طوعا أو كرها ، وهذا قول ابن عباس ، وهو حسن ، لأن الكل لا بد أن يقروا بذلك ؛ إما في الدنيا وإما في الآخرة.
جواب آخر : وهو أن المراد بذلك إلا لآمرهم وأنهاهم ، وهذا قول مجاهد.
فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى) [فصّلت : ١٧] فالجواب من ثلاثة أوجه :
أحدها : أن معنى هديناهم ، أي دعوناهم قاله [سفيان] وهذا صحيح ، لأن الهدى يكون بمعنى الدعاء ؛ قال الله تعالى : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) [الرّعد :
٧] أي داع يدعوهم إلى الهدى ، وقال تعالى : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشّورى : ٥٢] أي تدعو.
الجواب الثاني : (وَهَدَيْناهُمْ) [الأنعام : ٨٧] أي بيّنّا لهم سبيل الهدى ، قاله قتادة ، وهذا صحيح ، يدل عليه قوله تعالى : (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)) [البلد : ١٠] يعني بيّنّا له طريق الخير وطريق الشر. وقال الصديق رضي الله عنه لما كان هو والرسول
