بلحاظ آخر ـ بل الصحيح هو ما كان مرتّبا عليه كلّ آثار الطبيعة. وأمّا الفساد والعيب والبطلان فالكلّ يشترك في أنّها تطلق على ما خرج من مقتضى طبيعته الأصليّة بنقص فيه مع انحفاظ صدق الطبيعة ، وإلّا لم يكن الفاسد فاسد تلك الطبيعة أو معيوبها أو باطلها ، بل كانت طبيعة أخرى.
ويمتاز كلّ من الثلاثة عن أختيها بأنّ العيب عبارة عن انحراف الشيء وخروجه عن بعض مقتضيات الطبيعة ، والفساد عبارة عن الخروج عن كلّها. والبطلان يشارك الفساد في المعنى إلّا أنّه يختصّ إطلاقه بالأفعال ، فلا يقال : «بطّيخ باطل» ولكن يقال لزارع البطّيخ : «قد بطل عملك ، وقد ضلّ سعيك».
وأمّا توهّم أنّ الصحّة والفساد أمران إضافيّان (١) ـ فتكون صلاة واحدة صحيحة من شخص فاسدة من آخر ـ فباطل بظهور أنّ الصلاة بكافّة قيودها الدخيلة في الصحّة لا تفارقها الصحّة ، ومن تلك القيود خصوصيّة المصلّي كالمسافر والحاضر. نعم ، صلاة المسافر فاسدة من الحاضر وبالعكس ، لكنّ كلّا منهما إذا فرض صدوره من غيره لم يكن هو الذي صدر من الأوّل حتّى يكون اتصافه بالصحّة والفساد بالإضافة مع اتّحاد المضاف.
الثالث : لا حاجة لكلّ من القول بالصحيح والأعمّ إلى وجود قدر جامع بين أفراده إلّا مع القول بوحدة الوضع ، وعلى هذا التقدير أيضا القدر الجامع موجود على كلّ من القولين بسيطا ومركّبا ؛ لاشتراك أفراد الصحيح في التأثير في أثر كذا الكاشف عن وحدة المؤثّر ، واشتراك أفراد الأعمّ من الصحيح والفاسد في مجاورة ذلك الأثر.
نعم ، هذا الجامع لا يجري في كلّ فاسد ، بل يختصّ بفاسد اشتمل على ما يقرب الصحيح من الأجزاء ، وهو المقصود أيضا ، فيشار بهذا الأثر المشترك إلى ذلك الجامع الواحد المؤثّر ويوضع اللفظ له. أو يشار إلى الأجزاء الخارجيّة المختلفة ـ زيادة ونقيصة ـ المنطبق عليها ذلك الجامع الواحد ، فيوضع اللفظ له. والأوّل هو الجامع البسيط ، والثاني هو الجامع المركّب.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الاستدلال في المسألة بكلّ من القولين بالتبادر وصحّة السلب لا يخلو من مجازفة إن أريد بهما ذلك في لسان الشارع ، وإن أريد في لسان المتشرّعة
__________________
(١) كفاية الأصول : ٢٤.
![الأصول في علم الأصول [ ج ١ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4114_alusul-fi-ilm-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
