بأحق بها منّا (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) أي بخلاء بالغنيمة ، يشاحون المؤمنين عند القسمة (أُولئِكَ) يعني من تقدم وصفهم (لَمْ يُؤْمِنُوا) كما آمن غيرهم وإلا لما فعلوا ذلك (فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ) لأنها لم تقع على الوجوه التي يستحق عليها الثواب ، إذ لم يقصدوا بها وجه الله تعالى (وَكانَ ذلِكَ) الإحباط أو كان نفاقهم (عَلَى اللهِ يَسِيراً) أي هيّنا. ثم وصف سبحانه هؤلاء المنافقين فقال (يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا) أي يظنّون أن الجماعات من قريش وغطفان وأسد واليهود الذين تحزّبوا على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لم ينصرفوا وقد انصرفوا ، وإنما ظنّوا ذلك لجبنهم وحبهم قهر المسلمين (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ) أي وإن يرجع الأحزاب إليهم ثانية للقتال (يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ) أي يود هؤلاء المنافقون أن يكونوا في البادية مع الاعراب يسألون عن أخباركم ولا يكونوا معكم حذرا من القتل ، وتربّصا للدوائر (وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً) أي ولو كان هؤلاء المنافقون معكم وفيكم لم يقاتلوا معكم إلا قدرا يسيرا ليوهموا أنهم في جملتكم ، لا لينصروكم ويجاهدوا معكم.
٢١ ـ ٢٥ ثم حثّ سبحانه على الجهاد والصبر عليه فقال (لَقَدْ كانَ لَكُمْ) معاشر المكلفين (فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي قدوة صالحة يقال : لي في فلان أسوة ، أي لي به اقتداء والمعنى : كان لكم برسول الله اقتداء لو اقتديتم به في الصبر معه في مواطن القتال كما فعل هو يوم أحد إذ انكسرت رباعيته ، وشجّ حاجبه ، وقتل عمّه ، فواساكم مع ذلك بنفسه ، فهلّا فعلتم مثلما فعله هو؟ (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ) أي يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم (وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً) أي ذكرا كثيرا ، وذلك أن ذاكر الله متّبع لأوامره بخلاف الغافل عن ذكره. ثم عاد سبحانه إلى ذكر الأحزاب فقال (وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ) أي ولمّا عاين المصدّقون بالله ورسوله الجماعة التي تحزّبت على قتال النّبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم مع كثرتهم (قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ) ان النّبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم كان قد أخبرهم أنه يتظاهر عليهم الأحزاب ويقاتلونهم ، ووعدهم الظفر بهم ، فلما رأوهم تبيّن لهم مصداق قوله وكان ذلك معجزا له (وَما زادَهُمْ) مشاهدة عدوّهم (إِلَّا إِيماناً) أي تصديقا بالله ورسوله (وَتَسْلِيماً) لأمره (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ) أي بايعوا أن لا يفرّوا فصدّقوا في لقائهم العدو (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) أي قضى أجله على الوفاء والصدق عن الحسن. وروي عن أنس بن مالك أن عمه غاب عن قتال بدر فقال غبت عن أول قتال قاتله رسول الله مع المشركين لئن أراني الله قتالا للمشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين وابرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين ثم تقدّم فلقيه سعد دون أحد فقال أنا معك قال سعد فلم أستطع أن أصنع ما صنع فوجد فيه بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم كنّا نقول فيه وفي أصحابه نزلت (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) ما وعد الله من نصره أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه (وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) أي ما غيّروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غيّر المنافقون. قال ابن عباس : من قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني عن عليّ عليهالسلام قال : فينا نزلت (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ،) فأنا والله المنتظر وما بدّلت تبديلا (لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ) أي صدق المؤمنون في عهودهم ليجزيهم الله بصدقهم (وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ) بنقض العهد (إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) إن تابوا ، ويكون معناه : انه سبحانه إن شاء
