وقد لا يتعدى مدح الإنسان لأخيه الإنسان التملق ، والمحاباة ، كمدح ذوي المال ، طمعاً بما في أيديهم ، أو لمصلحة يرجوها منهم ، أو مدح ذوي السلطان ، خوفاً من سطوتهم ، أو محاولة للتقرب إليهم ، وهو في كلا الحالين يعلم أنَّه كاذب في مدحه ، وقد سجّل التأريخ عبر القرون شواهد لا تحصى لمن عرفوا بوعّاظ السلاطين ، والشعراء الذين كانوا يمدحون السلطان لنيل جوائزه ، ويغمضون أعينهم عن جميع عيوبه وعوراته ، ثمَّ يلتمسون له فضائل ، ومناقب قد لا تخطر له على بال ، ولا يعرفها ، فيمدحونه بها.
والله عزوجل لا يتملّق لأحد من عباده ، ولا يحابي أحداً ، ولا يحتاج أحداً ، ولا طمع له عند ذوي المال والجاه ، بل الخلق كلهم عباده ، وأمرهم بيده ، وما في أيديهم من عطاياه ، وهم محتاجون إلى كماله المطلق في كلِّ آن ، لا يستغنون عن فضله ، ورحمته ، وجوده ، لحظة واحدة.
والله عزوجل لا يخاف سطوة ظالم ، ولا يرهبه سلطانه ، وهو القاهر الجبار ، الذي ينتقم من الظالمين ، وينتصف للمظلومين منهم بعدله ، وقوته.
وكثيراً ما ينخدع الناس بما يتظاهر به المراؤون من أعمال الخير ، متوهمين استقامتهم ، وحسن سريرتهم ، ولو اطلعوا على زيفهم لعرفوا أنَّهم يريدون بما عملوا مصالح شخصية ، ولو تحققت مصالحهم في الأعمال التخريبية ، لما ترددوا في الإقدام عليها ، ولمارسوها بأبشع صورها ، ولانقلب مدح الناس لهم ذمّاً.
من هنا تتجلى أهمية مدح الله عزوجل ، فمدحه لا يشوبه جهل ، أو طمع ، أو خوف ، وفي مدحه دلالة واضحة على أنَّ الممدوح معصوم يستحيل عليه أن يتخلّف عمّا مُدح به ، أو يسلك طريقاً منافياً له ، وإن ذمَّ أحداً علمنا ـ بالضرورة ـ خبثه ، وضلاله ، وأنَّه رجس لا يهتدي أبداً ، وخير شاهد على ذلك ما جاء من الذكر
